حبيب الله الهاشمي الخوئي
16
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
قال : اعلم أن نسبة البصيرة إلى مدركاتها كنسبة البصر إلى مبصراته ، وأنت إذا نظرت للمرآة وشاهدت صورة فيها فلك هناك حالتان : إحداها أن تكون متوجها إلى تلك الصّورة ، مشاهدا إيّاها قصدا جاعلا للمرآة حينئذ آلة لمشاهدتها . ولا شك أن المرآة وإن كانت مبصرة في هذه الحالة لكنها ليست بحيث يقتدر بابصارها على هذا الوجه أن يحكم عليها ويلتفت إلى أحوالها والثانية أن تتوجه إلى المرآة نفسها ، وتلاحظها قصدا فتكون صالحة لأن يحكم عليها ، وتكون الصورة حينئذ مشاهدة تبعا غير ملحوظة قصدا وغير ملتفت إليها . فظهر أن من المبصرات ما يكون تارة مبصرا بالذّات ، وأخرى آلة لابصار الغير ، فقس على ذلك المعاني المدركة بالبصيرة أعني القوى الباطنة ، واستوضح ذلك من قولك : قام زيد ، وقولك : نسبة القيام إلى زيد ، إذ لا شك أنك تدرك فيهما نسبة القيام إلى زيد ، إلا أنها في الأول مدركة من حيث إنها حالة بين زيد والقيام وآلة لتعرف حالهما ، فكأنهما مرآة تشاهدهما مرتبطا أحدهما بالآخر ، ولذلك لا يمكنك أن تحكم عليها أو بها ما دامت مدركة على هذا الوجه وفى الثاني مدركة بالقصد ملحوظة في ذاتها بحيث يمكنك أن تحكم عليها أو بها . فهي على الوجه الأول معنى غير مستقل بالمفهومية ، وعلى الثاني معنى مستقل . وكما يحتاج إلى التعبير عن المعاني الملحوظة بالذّات المستقلة بالمفهومية ، كذلك يحتاج إلى التعبير عن المعاني الملحوظة بالغير التي لا يستقل بالمفهومية . إذا تمهّد هذا فاعلم أنّ الابتداء مثلا معنى هو حالة لغيره ومتعلق به ، فإذا لاحظه العقل قصدا وبالذات كان معنى مستقلا معه ملحوظا في ذاته صالحا لأن يحكم عليه وبه ، ويلزمه إدراك متعلقه اجمالا وتبعا ، وهو بهذا الاعتبار مدلول لفظ الابتداء ، ولك بعد ملاحظته على هذا الوجه أن تقيده بمتعلق مخصوص ، فتقول مثلا ابتداء السير البصرة ، ولا يخرجه ذلك عن الاستقلال وصلاحية الحكم عليه وبه ، وإذا لاحظه العقل من حيث هو حالة بين السير والبصرة ، وجعله آلة لتعرف حالهما