حبيب الله الهاشمي الخوئي

17

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

كان معنى غير مستقل بنفسه ، لا يصلح أن يكون محكوما عليه ولا محكوما به ، وهو بهذا الاعتبار مدلول لفظة من ، وهذا معنى ما قيل إنّ الحرف وضع باعتبار معنى عام ، وهو نوع من النّسبة كالابتداء مثلا لكلّ ابتداء معين بخصوصه ، والنّسبة لا تتعين الَّا بالمنسوب اليه ، فما لم يذكر متعلق الحرف لا يتحصّل فرد من ذلك النوع الذي هو مدلول الحرف ، لا في العقل ، ولا في الخارج ، وانّما يتحصّل بمتعلَّقه فيتعقّل بتعقّله . ثم قال : وهو أيضا محصول ما ذكره ابن الحاجب في ايضاح المفصّل ، حيث قال : الضّمير في ما دلّ على معنى في نفسه يرجع إلى معنى أي ما دلّ على معنى باعتباره في نفسه وبالنّظر اليه في نفسه لا باعتبار أمر خارج عنها ، ولذلك قيل : الحرف ما دلّ على معنى في غيره ، أي حاصل في غيره باعتبار متعلَّقه لا باعتباره في نفسه ، فقد اتّضح أن ذكر متعلَّق الحرف ، إنّما وجب لتحصيل معناه في الذّهن ، إذ لا يمكن ادراكه الَّا بادراك متعلَّقه ، إذ هو آلة لملاحظته ، فعدم استقلال الحرف بالمفهوميّة لقصور ونقصان في معناه ، وأما الفعل فيدلّ على شيئين : أحدهما مستقلّ بالمفهوميّة وهو الحدث . والثاني غير مستقلّ وهو النّسبة الحكميّة الملحوظة فيه من حيث انّها حالة بين طرفيها ، وآلة لتعرّف حالهما مرتبطا أحدهما بالآخر ، ولمّا كانت هذه النّسبة التي هي جزء مدلول الفعل لا يتحصّل الَّا بالفاعل وجب ذكره كما وجب ذكر متعلَّق الحرف ، فكما أنّ لفظة من موضوعة بالوضع العام لكلّ ابتداء معين بخصوصه ، فكذلك لفظة ضرب موضوعة بالوضع العام لكلّ نسبة للحدث الذي دلت عليه إلى فاعلها بخصوصها . لكنّ الفرق بينهما أنّ الحرف لمّا لم يدلّ الَّا على معنى غير مستقلّ بالمفهوميّة لم يقع محكوما عليه ولا به ، والفعل لمّا اعتبر فيه الحدث وضمّ إليه غيره أعني النّسبة إلى الفاعل ، وجب ذكر الفاعل ، ووجب أن يكون مسندا باعتبار الحدث ، لعدم إمكان جعل الحدث مسندا إليه لأنّه خلاف وضعه ، وأمّا مجموع معناه المركب من الحدث والنّسبة المخصوصة فهو أيضا غير مستقلّ بالمفهوميّة ، فلا يصلح لأن يقع محكوما به ، فضلا عن أن يقع محكوما عليه .