تقرير بحث السيد محمد الروحاني لعبد الصاحب الحكيم
335
منتقى الأصول
فالذي ينبغي ان يقال ( 1 ) : انه لا بد من التفصيل على البنائين في مجرى
--> ( 1 ) تحقيق الكلام : ان تقديم المقيد على المطلق قد عرفت أنه من باب كشف المقيد عن عدم كون المتكلم في مقام البيان ، الذي هو الأساس في ثبوت الاطلاق ، وعرفت انه يخل بالمراد الاستعمالي . وهذا انما يتم في مورد يمكن ان يلتزم بذلك - أعني : عدم كونه في مقام البيان ، اما ما لا يمكن الالتزام به - كما لو كان الموضوع المقيد موضوع السؤال في المطلق ، أو كان الاطلاق واردا لبيان حكم عمل المكلف بحيث لا يتصور انه يسمع التقييد بعد ذلك - كما أشرنا إليه في مبحث المطلق والمقيد فراجع - فلا يقدم المقيد على المطلق ، بل يحصل التعارض بينهما . والكلام فيما نحن فيه انما هو في غير هاتين الصورتين ، بل في مورد لو كان بدل العام دليلا مقيدا لقيد المطلق ، فيتكلم في أن العام هل يؤدى مهمة الدليل المقيد فيقيد به المطلق ويكون كاشفا عن عدم كونه في مقام البيان ، أوليس له هذه المهمة ؟ والتحقيق : ان تقديم العام على المطلق يتوقف على الالتزام بان دلالة العام على العموم وضعية بواسطة الأداة لا اطلاقية بواسطة مقدمات الحكمة ، وكون دلالة الأداة تتبع اطلاق المدخول . فإنه على الأول يصلح العام لان يكون كاشفا عن عدم كون المتكلم في مقام البيان ، فيتصرف في المطلق ولا يصلح المطلق للتصرف في العموم ، لان دلالة العام غير منوطة بمقدمات الحكمة بل هي بالوضع . واما على الثاني ، فلا يصلح العام للتصرف في المطلق ، لأنه يتوقف على مقدمات الحكمة ، فيكون المورد من موارد تعارض الاطلاقين . والبحث في كون العموم في العام هو مدلول الأداة أو انه مقتضى مقدمات الحكمة ، والأداة لا تتكفل الا بيان خصوصية العموم من استغراقية أو بدلية ، قد أشرنا إليه في مبحث العام والخاص ، وقد قربنا الثاني ، ونزيد هنا توضيحا لما تقدم . أولا : ان مدخول الأداة قد لا يكون في بعض الأحيان مما له عموم افرادي ، بحيث يكون له افراد متعددة ، كقول القائل : " سهوت في كل الصلاة " أو : " وقع كل الصلاة في النجس " ، فان الصلاة هنا ليس لها افراد متعددة يقصد بيان ارادتها بواسطة : " كل " ، بل لا يقصد الا بيان استغراق حالة السهو لجميع حالات وآنات الصلاة ، فهي لا تفيد سوى الاستغراق ، والالتزام بتعدد المعنى لها غير صحيح ، لان الملحوظ انها تستعمل في مثل : " أكرم كل عالم " ، ومثل المثال السابق في معنى واحد ، لا معنيين . وثانيا : ان مدلول قول المولى : " أكرم كل عالم " إذا حللناه نجده بمعنى : " أكرم كل فرد من افراد العالم " ، وهنا يصح ان يسال ان المراد بالعالم خصوص الفقيه أو الأعم ، وهذا يكشف عن عدم إفادة لفظ : " كل " التعميم من حيث أنواع العالم ، فلا بد من دليل اخر يدل على التوسعة ، وهو ليس إلا مقدمات الحكمة . ثالثا : انه لو فرض كون الدلالة على العموم بواسطة الأداة ، لأشكل الامر في تقديم الخاص على العام ، بل كانا متعارضين ، بناء على ما عرفت من أن دلالة اللفظ على المعنى دلالة قطعية ، فلا وجه حينئذ لتقديم الخاص على العام الذي هو مبنى السيرة العقلائية العرفية . ووجه ذلك منحصر بالالتزام بكون دلالة الأداة على العموم يتبع سعة المدخول المستفاد من جريان مقدمات الحكمة فيه . وبالجملة : فلفظ " كل " يفيد شمول الحكم لجميع الافراد ، في قبال العموم البدلي الذي لا يكون الحكم متعلقا الا بفرد على البدل ، اما تعلق الحكم بكل فرد فرد أو بالمجموع ، فهو خارج عن مفاد لفظة : " كل " ، بل يستفاد من قرائن أخرى ، فتدبر .