ابن قتيبة الدينوري

مقدمة التحقيق 28

المعارف

ومضى الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة يتسع ، حتى توّج أخيرا بتلك المشكلة التي مال فيها المأمون إلى رأى المعتزلة - وهي مشكلة خلق القرآن - تلك المشكلة التي شغلت المأمون أكثر مما شغلت المتكلمين ، وعنّي بها المأمون نفسه كما عنّي بها المسلمين ، ووقف يناصب العداء كل من خالفه ، ويسومه سوء العذاب ( 1 ) . ومن بعد « المأمون » يجيء « المعتصم » ، فيتورّط فيما تورط فيه أخوه « المأمون » ، ويجيء « الواثق » فيمضى فيما مضى فيه أبوه « المعتصم » وعمه « المأمون » . واستمرت هذه المحنة حتى ملها الواثق ، وودّ لو وجد لنفسه منها مخرجا ، حتى إذا ما جاء المتوكل ( 247 ه ) أمر بأن يخلَّى بين الناس وبين ما يرون . وإلى جانب هاتين المدرستين الكلاميتين - مدرسة المعتزلة ومدرسة أهل السنة اللتين قسمتا الناس فئتين - كانت تقوم مدرستان أخريان ، لا في علم الكلام ، ولكن في شيء آخر أهون ، لا يثير خلافا ، لا يجر أذى في الأنفس ولا ضررا للأبدان ، هما مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة ، اللتان اشتغلتا بالنحو . وكان لكل مدرسة من هاتين المدرستين رأيها في النحو ، ولكل رأى أتباعه وأشياعه . وكانت مدرسة البصرة هي المدرسة الأولى ، وعلى رأسها : أبو الأسود ، وابن أبي إسحاق الحضرميّ ، وعيسى بن عمر الثقفي ، وهارون بن موسى .

--> ( 1 ) تاريخ الأمم الإسلامية ( 210 - 215 ) .