ابن قتيبة الدينوري

مقدمة التحقيق 29

المعارف

ثم جاء الكوفيون من بعدهم فقلدوهم في شيء وخالفوهم في شيء ، وقامت المناظرة بين البلدين ، وصار لكل منهما مذهب . وعلى الرغم من تقدم مدرسة البصرة وسبقها ، فقد ظهرت عليها مدرسة الكوفة ، وذلك لمناصرة خلفاء بغداد لهم ، وتفضيل أساتذة هذه المدرسة الكوفية على أساتذة تلك المدرسة البصرية ، فلقد اختار هؤلاء الخلفاء لأولادهم : الكسائي ، والفراء ، والمفضل الضبيّ ، والشرقي بن القطامي وكلهم من المدرسة الكوفية . ولقد رأينا المأمون يتحامل على سيبويه في المناظرة التي عقدها بينه وبين الكسائي ( 1 ) . هذا إلى أنه لما عمرت « بغداد » توافد الناس إليها من كل حدب وصوب ، فريق يطلب الكسب ، وفريق تستهويه الحياة العلمية والفكرية ، وفريق يطلب حياة الترف فإذا « بغداد » معترك يشارك فيه إلى جانب العربيّ : الفارسي ، والرومي ، والنّبطى ، والتركي ، والصيني ، والهندي ، والبربري ، والزنجي . وفيهم : المسلم ، والنصراني ، واليهودي ، والصابئي ، والسامري ، والمجوسي ، والبوذى ، وغيرهم . وهؤلاء لا شك قد حملوا إلى « بغداد » ألوانا من الفكر والثقافة ، سرعان ما انتفعت بها « بغداد » وأثرت فيها .

--> ( 1 ) تاريخ آداب اللغة العربية ( 130 ) ضحى الإسلام ( 2 : 25 ) الإنصاف في مسائل الخلاف .