ابن تيمية

55

مجموعة الرسائل والمسائل

التلازمية ، وإن عنى به ما يشار إليه وما يكون قائماً بنفسه موصوفاً بالصفات - فلا نسلم انتفاء الثانية . فالقول بالأعراض مركب من مقدمتين تلازمية واستثنائية بألفاظ مجملة فإذا استفصل عن المراد حصل المنع والإبطال لإحداهما أو لكليهما . وإذا بطلت إحدى المقدمتين على كل تقدير بطلت الحجة . فصل وأما قول القائل : لو قامت به الأفعال لكان محلاً للحوادث ، إن أوجب له كمالاً فقد عدمه قبله وهو نقص ، وإن لم يوجب له كمالاً لم يجز وصفه به - : فيقال أولاً : هذا معارض بنظيره من الحوادث التي فعلها فإن كليهما حادث بقدرته ومشيئته ، وإنما يفترقان في المحل ، وهذا التقسيم وارد على الجهتين . وإن قيل في الجواب : بل هم يصفونه بالصفات الفعلية . ويقسمون الصفات إلى نفسية وفعلية ، فيصفونه بكونه خالقاً ورازقاً بعد أن لم يكن كذلك ، وهذا التقسيم وارد عليهم ، وقد أورده عليهم الفلاسفة في مسألة حدوث العالم فزعموا أن صفات الأفعال ليست صفة كمال ولا نقص - : فيقال لهم : كما قالوا لهؤلاء في الأفعال التي تقوم بها أنها ليست كمالاً ولا نقصاً . فإن قيل : لا بد أن يتصف إما بنقص وإما بكمال ، فإن جاز خلو أحدهما عن القسمين أمكن الدعوى في الآخر مثله وإلا فالجواب مشترك . وأما المتفلسفة فيقال لهم : القديم لا تحله الحوادث ، ولا يزال محلاً للحوادث عندكم ، فليس القدم مانعاً من ذلك عندكم ، بل عندكم هذا هو الكمال الممكن الذي لا يمكن غيره . وإنما نفوه عن واجب الوجود لظنهم اتصافه به ، وقد تقدم التنبيه على إبطال قولهم في ذلك لا سيما وما قامت به الحوادث المتعاقبة يمتنع وجوده عن علة تامة أزلية موجبة لمعلولها ، فإن العلة التامة الموجبة يمتنع أن يتأخر عنها معلولها أو شيء من معلولها ، ومتى تأخر عنها شيء من معلولها كانت علة له بالقوة ، هذا عندما سماه نقصاً من النقص الممكن انتفاؤه ، فإذا قيل : خلق المخلوقات في الأزل صفة كمال فيجب أن تثبت له ، قيل : وجود الجمادات كلها أو واحد منها