ابن تيمية

56

مجموعة الرسائل والمسائل

يستلزم الحوادث كلها أو واحداً منها في الأزل ، فيمتنع وجود الحوادث المتعاقبة كلها في آن واحد سواء قدر ذلك الآن ماضياً أو مسقبلاً ، فضلاً عن أن يكون أزلياً ، وما يستلزم الحوادث المتعاقبة يمتنع وجود في آن واحد فضلاً عن أن يكون أزلياً ، فليس هذا ممكن الوجود فضلاً عن أن يكون كمالاً ، لكن فعل الحوادث شيئاً بعد شيء أكمل من التعطيل عن فعلها بحيث لا يحدث شيئاً بعد أن لم يكن ، فإن الفاعل القادر على الفعل أكمل الفاعل العاجز عن الفعل . فإذا قيل لا يمكنه إحداث الحوادث بل مفعوله لازم لذاته ، كان هذا نقصاً بالنسبة إلى القادر الذي يفعل شيئاً بعد شيء ، وكذلك إذا قيل : جعل الشيء الواحد متحركاً ساكناً موجوداً معدوماً صفة كمال ، قيل هذا ممتنع لذاته . وكذلك إذا قيل إبداع قديم واجب بنفسه صفة كمال ، قيل هذا ممتنع لنفسه ، فإن كونه مبدعاً يقتضي أن لا يكون واجباً بنفسه بل واجباً بغيره ، فإذا قيل هو واجب موجود بنفسه وهو لم يوجد إلا بغيره كان هذا جمعاً بين النقيضين . وكذلك إذا قيل : الأفعال القائمة والمفعولات المنفصلة عنه إذا كان اتصافه بها صفة كما فقد فاتته في الأزل ، وإن كان صفة نقص فقد لزم اتصافه بالنقائص . قيل الأفعال المنفعلة بمشيئته وقدرته يمتنع أن يكون كل منها أزلياً . وأيضاً فلا يلزم أن يكون وجود هذه في الأزل صفة كمال بل الكمال أن توجد حيث اقتضت الحكمة وجودها ، وأيضاً فلو كانت أزلية لم تكن موجودة شيئاً بعد شيء ، فقول القائل فيما حقه أن يوجد شيئاً بعد شيء فينبغي أن يكون في الأزل جمع بين النقيضين . وأمثال هذا كثير ، فلهذا قلنا الكمال الممكن الوجود ، فما هو ممتنع في نفسه فلا حقيقة له فضلاً عن أن يقال هو موجود أو يقال هو كمال للموجود . وأما الشرك الآخر وهو قولنا الكمال الذي لا يتضمن نقصاً على التعبير بالعبارة السديدة أو الكمال الذي لا يتضمن نقصاً يمكن انتفاؤه على عبارة من يجعل ما ليس بنقص نقصاً - فاحتراز عما هو لبعض المخلوقات كمال دون بعض ، وهو نقص بالإضافة إلى الخالق لاستلزامه نقصاً كالأكل والشرب مثلاً ، فإن الصحيح الذي يشتهي الأكل والشرب من الحيوان أكمل من المريض الذي لا يشتهي الأكل