ابن تيمية
53
مجموعة الرسائل والمسائل
الواجبة له فرض ممتنع ، وحينئذ فإذا كان فرض عدم هذا ممتنعاً عموماً وخصوصاً فقول القائل يكون مفتقراً إليها وتكون مفتقرة إليه إنما يعقل مثل هذا في شيئين يمكن وجود كل واحد منهما دون الآخر ، فإذا امتنع هذا بطل هذا التقدير . ثم يقال : ما تعني بالافتقار ؟ أتعني أن الذات تكون فاعلة للصفات مبدعة لها أو بالعكس ؟ أم تعني التلازم وهو أن لا يكون أحدهما إلا بالآخر ؟ فإن عنيت افتقار المفعول إلى الفاعل فهذا باطل ، فإن الرب ليس بفاعل لصفاته اللازمة له بل لا يلزمه شيء معين من أفعاله ومفعولاته ؟ فكيف تجعل صفاته مفعولة له ، وصفاته لازمة لذاته ليست من مفعولاته ؟ وإن عنيت التلازم فهو حق . وهذا كما يقال لا يكون موجوداً ويقال أيضاً لا يكون موجوداً إلا أن يكون قديماً واجباً بنفسه ولا يكون عالماً قادراً إلا أن يكون حياً ، فإذا كانت صفاته متلازمة كان ذلك أبلغ في الكمال من جواز التفريق بينهما ، فإنه لو جاز وجوده بدون صفات الكمال لم يكن الكمال واجباً له بل ممكناً له ، وحينئذ فكان يفتقر في ثبوته له إلى غيره ، وذلك نقص ممتنع عليه كما تقدم بيانه ، فعلم أن التلازم بين الذات وصفات الكمال هو كمال الكمال . فصل وأما القائل : إنها أعراض لا تقوم إلا بجسم مركب والمركب ممكن محتاج ، وذلك عين النقص . فللمثبتة للصفات في إطلاق لفظ العرض على صفاته ثلاث طرق : منهم من يمنع أن تكون أعراضاً ويقول : بل هي صفات وليس أعراضاً كما يقول ذلك الأشعري وكثير من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره ، ومنهم من يطلق عليها لفظ الأعراض كهشام وابن كرام وغيرهما ، ومنهم من يمتنع من الإثبات والنفي كما قالوا في لفظ الغير ، وكما امتنعوا عن مثل ذلك في لفظ الجسم ونحوه ، فإن قول القائل " العلم عرض " بدعة ، وقوله : ليس بعرض - بدعة - كما أن قوله " الرب جسم " بدعة ، وقوله " ليس بجسم " بدعة . وكذلك أن لفظ الجسم يراد به في اللغة : البدن والجسد ، كما ذكر ذلك الأصمعي وأبو زيد وغيرهما من أهل اللغة . وأما أهل الكلام فمنهم من يريد به