ابن تيمية

49

مجموعة الرسائل والمسائل

العادة لا تقبل الاتصاف بهذه الصفات ، فمن جعل الواجب الوجود لا يقبل الاتصاف ( 1 ) فقد جعله من جنس الأصنام الجامدة التي عابها الله تعالى وعاب عباديها . ولهذا كانت القرامطة الباطنية من أعظم الناس شركاً وعبادة لغير الله ، إذ كانوا لا يعتقدون في إلههم أنه يسمع أو يبصر أو يغني عنهم شيئاً . والله سبحانه لم يذكر هذه النصوص لمجرد تقرير صفات الكمال له ، بل ذكرها لبيان أنه المستحق للعبادة دون سواه ، فأفاد الأصلين اللذين بهما يتم التوحيد وهو إثبات صفات الكمال رداً على أهل التعطيل ، وبيان أنه المستحق للعبادة لا إله إلا هو رداً على المشركين ، والشرك في العالم أكثر من التعطيل ، ولا يلزم من إثبات التوحيد المنافي للإشراك إبطال قول أهل التعطيل ، ولا يلزم من مجرد الإثبات المبطل لقول المعطلة الرد على المشركين إلا ببيان آخر . والقرآن يذكر فيه الرد على المعطلة تارة كالرد على فرعون وأمثاله ، ويذكر فيه الرد على المشركين وهذا أكثر ، لأن القرآن شفاء لما في الصدور ، ومرض الإشراك أكثر في الناس من مرض التعطيل ، وأيضاً فإن الله سبحانه أخبر أن له الحمد وأنه حميد مجيد وأن له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم ونحو ذلك من أنواع المحامد . والحمد نوعان : حمد على إحسانه إلى عباده وهو من الشكر ، وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كمال ، وهذا الحمد لا يكون إلا على ما هو في نفسه مستحق للحمد ، وإنما يستحق ذلك ما هو متصف بصفات الكمال ، وهي أمور وجودية فإن الأمور العدمية المحضة لا حمد فيها ولا خير ولا كمال . ومعلوم أن كل ما يحمد فإنما يحمد على ما له من صفات الكمال ، فكل ما يحمد به الخلق فهو من الخالق ، والذي منه ما يحمد عليه هو أحق بالحمد فثبت أن المستحق ( 2 ) للمحامد الكاملة وهو أحق من كل محمود والحمد والكمال من كامل وهو المطلوب .

--> ( 1 ) أي بصفات الكمال المذكورة كمعطلة الصفات من الجهمية والمعتزلة دع الباطنية الملاحدة ( 2 ) قوله فثبت أن المستحق إلخ هو كما ترى مختل التركيب ولعل أصله : فثبت أن المستحق للمحامد كلها وهو أحق بالحمد من كل محمود وبالكمال من كل كامل ، أو أن المستحق للمحامد كلها أحق بالحمد إلخ