ابن تيمية
50
مجموعة الرسائل والمسائل
فصل وأما المقدمة الثانية فتقول : لا بد من اعتبار أمرين ( أحدهما ) أن يكون الكمال ممكن الوجود ، و ( الثاني ) أن يكون سليماً عن النقص ، فإن النقص ممتنع على الله ، لكن بعض الناس قد يسمى ما ليس بنقص نقصاً ، فهذا يقال له إنما الواجب إثبات ما أمكن ثبوته من الكمال السليم عن النقص ، فإذا سميت أنت هذا نقصاً وقدر أن انتفاءه يمتنع لم يكن نقصه من الكمال الممكن ، والذات التي لا تكون حية عليمة قديرة سميعة بصيرة متكلمة ليست أكمل من الذات التي تكون حية عليمة سميعة بصيرة قديرة متكلمة . وإذا كان صريح العقل يقضي بأن الذات المسلوبة هذه الصفات ليست مثل الذات المتصفة بها فضلاً عن أن تكون أكمل منها ، ويقضي بأن الذات المتصفة بها أكمل ، علم بالضرورة امتناع كمال الذات بدون هذه الصفات . فإذا قيل بعد ذلك : لا تكون ذاته ناقصة متساوية الكمال إلا بهذه الصفات . قيل الكمال بدون هذه الصفات ممتنع ، وعدم الممتنع ليس نقصاً ، وإنما النقص عدم ما يمكن ، وأيضاً فإذا ثبت أنه يمكن اتصافه بالكمال ، وما اتصف به وجب له ، امتنع تجرد ذاته عن هذه الصفات ، فكان تقدير ذاته منفكة عن هذه الصفات تقديراً ممتنعاً ، وإذا قدر للذات تقدير ممتنع وقيل أنها ناقصة صفة كان ذلك مما يدل على امتناع ذلك التقدير لا على امتناع نقيضه ، كما لو قيل إذا مات ناقصاً فهذا يقتضي وجوب كونه حياً ، كذلك إذا كان تقدير ذاته خالية عن هذه الصفات يوجب أن تكون ناقصة كان ذلك مما يستلزم أن يوصف بهذه الصفات . وأيضاً فقول القائل اكتمل بغيره ممنوع فإنا لا نطلق على صفاته أنها غيره ولا أنا ليست غيره على ما عليه أئمة السلف كالإمام أحمد بن حنبل وغيره ، وهو اختيار حذاق المثبتة كابن كلاب وغيره ، ومنهم من يقول : أنا أطلق عليها أنها ليست هي هو ولا أطلق عليها أنها ليست غيره ، ولا أجمع بين السلبين فأقول لا هي هو ولا هي غيره ، وهو اختيار طائفة من المثبتة كالأشعري وغيره ، وأظن قول أبي الحسن التمتي هو هذا