ابن تيمية

48

مجموعة الرسائل والمسائل

من نقص وعيب فالخالق أولى بتنزيهه عنه . وقال تعالى ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) وهذا يبين أن العالم أكمل ممن لا يعلم ، وقال تعالى ( وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور ) فبين أن البصير أكمل والنور أكمل والظل أكمل ، وحينئذ فالمتصف به أولى ، ولله المثل الأعلى . وقال تعالى ( واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار ، ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ؟ اتخذوه وكانوا ظالمين ) فدل ذلك على أن عدم التكلم والهداية نقص ، وأن الذي يتكلم ويهدي أكمل ممن لا يتكلم ولا يهدي ، والرب أحق بالكمال . وقال تعالى ( قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق ؟ قل الله يهدي للحق . أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدي ؟ فما لم كيف تحكمون ) فبين سبحانه بما هو مستقر في الفطر أن الذي يهدي إلى الحق أحق بالاتباع ممن لا يهدي إلا أن يهديه غيره ، فلزم أن يكون الهادي بنفسه هو الكامل دون الذي لا يهدي إلا بغيره . وإذا كان لا بد من وجوب الهادي لغير المهتدي بنفسه فهو الأكمل ، وقال تعالى في الآية الأخرى ( أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً ) فدل على أن الذي يرجع إليه القول ويملك الضر والنفع أكمل منه . وقال إبراهيم لأبيه ( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ) فدل على أن السميع البصير الغني أكمل ، وأن المعبود يجب أن يكون كذلك ، ومثل هذا في القرآن متعدد من وصف الأصنام بسلب صفات الكمال كعدم التكلم والفعل وعدم الحياة ونحو ذلك مما يبين أن التصف بذلك منتقص معين كسائر الجمادات ، وأن هذه الصفات لا تسلب إلا عن ناقص معيب . وأما رب الخلق الذي هو أكمل من كل موجود فهو أحق الموجودات بصفات الكمال ، وأنه لا يستوي المتصف بصفات الكمال والذي لا يتصف بها ، وهو يذكر أن الجمادات في