ابن تيمية

19

مجموعة الرسائل والمسائل

ويزعم كثير من أهل البدع أنه لا يستدل بالأحاديث المتلقاة بالقبول على مسائل الصفات والقدر ونحوهما مما يطلب فيه القطع واليقين . ويزعم قوم من غالية المتكلمين أنه لا يستدل بالإجماع على شيء ، ومنهم من يقول لا يصح الاستدلال به على الأمور العلمية لأنه ظني . وأنواع من هذه المقالات التي ليس هذا موضعها . فإن طرق العلم والظن وما يتوصل به إليهما من دليل أو مشاهدة ، باطنة أو ظاهرة ، عام أو خاص ، فقد تنازع فيه بنو آدم تنازعاً كثيراً . وكذلك كثير من أهل الحديث والسنة قد ينفي حصول العلم لأحد بغير الطريق التي يعرفها ، حتى ينفي أكثر الدلالات العقلية من غير حجة على ذلك . وكذلك الأمور الكشفية التي للأولياء ، من أهل الكلام من ينكرها ، ومن أصحابنا من يغلو فيها ، وخيار الأمور أوساطها . فالطريق العقلية والنقلية والكشفية والخبرية والنظرية طريقة أهل الحديث وأهل الكلام وأهل التصوف قد تجاذبها الناس نفياً وإثباتاً ، فمن الناس من ينكر منها ما لا يعرفه ، ومن الناس من يغلو فيما يعرفه ، فيرفعه فوق قدره وينفي ما سواه . فالمتكلمة والمتفلسفة تعظم الطرق العقلية وكثير منها فاسد متناقض وهم أكثر خلق الله تناقضاً واختلافاً ، وكل فريق يرد على الآخر فيما يدعيه قطعياً . وطائفة ممن تدعي السنة والحديث يحتجون فيها بأحاديث موضوعة وحكايات مصنوعة يعلم أنها كذب . وقد يحتجون بالضعيف في مقابلة القوي ، وكثير من المتصوفة والفقراء يبني على منامات وأذواق وخيالات يعتقدها كشفاً وهي خيالات غير مطابقة ، وأوهام غير صادقة ( إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً ) فنقول : أما طرق الأحكام الشرعية التي نتكلم عليها في أصول الفقه فهي - بإجماع