ابن تيمية
133
مجموعة الرسائل والمسائل
ومعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث به رسله فهو كافر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى ، بل هؤلاء قولهم متناقض لا يمكن أحداً منهم أن يعيش به ولا تقوم به مصلحة أحد من الخلق ولا يتعاشر عليه اثنان ، فإن القدر إن كان حجة فهو حجة لكل أحد ، وإلا فليس حجة لأحد . فإذا قدر أن الرجل ظلمه ظالم أو شتمه شاتم أو أخذ ماله أو أفسد أهله أو غير ذلك فمتى لامه أو ذمه أو طلب عقوبته أبطل الاحتجاج بالقدر . ومن ادعى أن العارف إذا شهد الإرادة سقط عنه الأمر كان هذا الكلام من الفكر الذي لا يرضاه اليهود ولا النصارى ، بل ذلك ممتنع في العقل محال في الشرع ، فإن الجائع يفرق بين الخبز والتراب ، والعطشان يفرق بين الماء والسراب ، فيحب ما يشبعه ويرويه دون ما لا ينفعه ، والجميع مخلوق لله تعالى ، فالحي وإن كان من كان لا بد وأن يفرق بين ما ينفعه وينعمه ويسره ، وبين ما يضره ويشقيه ويؤلمه . هذه حقيقة الأمر فإن الله تعالى أمر العباد بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم . تقسيم الناس في الشرع والقدر إلى أربعة أصناف والناس في الشرع والقدر على أربعة أنواع ، فشر الخلق من يحتج بالقدر لنفسه ولا يراه حجة لغيره ، يستند إليه في الذنوب والمعايب ، ولا يطمئن إليه في المصائب ، كما قال بعض العلماء : أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري أي مذهب وافق هواك تمذهبت به . وبإزاء هؤلاء خير الخلق الذين يصبرون على المصائب ويستغفرون من المعايب ، كما قال تعالى ( فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك ) وقال ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير ، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ) وقال تعالى ( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله