ابن تيمية

134

مجموعة الرسائل والمسائل

ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) قال بعض السلف هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم . قال تعالى ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ، ومن يغفر الذنوب إلا الله ؟ ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) . وقد ذكر الله تعالى عن آدم عليه السلام أنه لما فعل ما فعل قال ( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) وعن إبليس أنه قال ( فبما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ) فمن تاب أشبه أباه آدم ، ومن أصر واحتج بالقدر أشبه إبليس . والحديث الذي في الصحيحين في احتجاج آدم وموسى عليهما السلام لما قال له موسى " أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وعلمك أسماء كل شيء ، لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ فقال له آدم : أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه ، وخط لك التوراة بيده ، فبكم وجدت مكتوباً علي قبل أن أخلق ( وعصى آدم ربه فغوى ؟ ) قال بكذا وكذا سنة ، قال فحج آدم موسى " وهذا الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة وقد روي بإسناد جيد عن عمر رضي الله عنه . فآدم إنما حج موسى لأن موسى لامه على ما فعل لأجل ما حصل لهم من المصيبة بسبب أكله من الشجرة ، لم يكن لومه لأجل حق الله في الذنب . فإن آدم قد تاب من الذنب كما قال تعالى ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) وقال تعالى ( ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) ومن هو دون موسى عليه السلام يعلم أنه بعد التوبة والمغفرة لا يبقى ملام على الذنب ، وآدم أعلم بالله من أن يحتج بالقدر على الذنب ، وموسى عليه السلام أعلم بالله تعالى من أن يقبل هذه الحجة ، فإن هذه لو كانت حجة على الذنب لكانت حجة لإبليس عدو آدم ، وحجة لفرعون عدو موسى ، وحجة لكل كافر ، وبطل أمر الله ونهيه ، بل إنما كان القدر حجة لآدم