ابن تيمية
132
مجموعة الرسائل والمسائل
أصلاً من القرآن والسنة فأهاب أن أقول ذلك ولكن القضاء والقدر والخلق والجبل ( 1 ) فهذا يعرف في القرآن والحديث . وقال مطرف بن الشخير : لم نوكل إلى القدر وإليه نصير . وقال ضمرة بن ربيعة لم نؤمر أن نتوكل على القدر وإليه نصير . وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار " قالوا يا رسول الله ، أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب ؟ فقال " لا ، اعملوا فكل ميسر لما خلق له " وهذا باب واسع . والمقصود هنا أن الخلال وغيره أدخلوا القائلين بالجبر في مسمى القدرية ، وإن كانوا لا يحتجون بالقدر على المعاصي ، فكيف بمن يحتج به على المعاصي ؟ ومعلوم أنه يدخل في ذم من ذم الله من القدرية من يحتج به على إسقاط الأمر والنهي أعظم مما يدخل فيه المنكر له ، فإن ضلال هذا أعظم . ولهذا قرنت القدرية بالمرجئة في كلام غير واحد من السلف ، وروي في ذلك حديث مرفوع لأن كلاً من هاتين البدعتين تفسد الأمر والنهي والوعد والوعيد . فالإرجاء يضعف الإيمان بالوعيد ويهون أمر الفرائض والمحارم ، والقدري إن احتج به كان عوناً للمرجئ ، وإن كذب به كان هو والمرجئ قد تقابلا ، هذا يبالغ في التشديد حتى لا يجعل العبد يستعين بالله على فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ، وهذا يبالغ في الناحية الأخرى . ومن المعلوم أن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لتصديق الرسل فيما أخبرت ، وتطاع فيما أمرت ، كما قال تعالى ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) وقال تعالى ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) والإيمان بالقدر من تمام ذلك . فمن أثبت القدر وجعل ذلك معارضاً للأمر فقد أذهب الأصل .
--> ( 1 ) راجع حاشية ص 131