ابن تيمية
7
مجموعة الرسائل والمسائل
العالم وهيولاه المتميزة عن صورته فلس هو إياه ، وإن كان بينهما قدر مشترك ، فإن هذه الصورة المحدثة من الحيوان والنبات والمعادن ليست قديمة باتفاق جميع العقلاء ، بل هي كائنة بعد أن لم تكن ، وكذلك الصفات والأعراض القائمة بأجسام السماوات والاستحالات القائمة بالعناصر من حركات الكواكب والشمس والقمر والسحاب والمطر والرعد والبرق وغير ذلك ، كل هذا حادث غير قديم ، عند كل ذي حس سليم ، فإنه يرى ذلك بعينه . والذين يقولون بأن عين المعدوم ثابتة في القدم أو بأن مادته قديمة يقولون بأن أعيان جميع هذه الأشياء ثابتة في القدم ، ويقولون أن مواد جميع العالم قديمة دون صوره . واعلم أن المذهب إذا كان باطلاً في نفسه لم يكن الناقد له أن ينقله على وجه يتصور تصوراً حقيقياً فإن هذا لا يكون إلا للحق . فأما القول الباطل فإذا بين فبيانه يظهر فساده ، حتى يقال كيف اشتبه هذا على أحد ويتعجب من اعتقادهم إياه ، ولا ينبغي للإنسان أن يعجب . فما من شيء يتخيل من أنواع الباطل إلا وقد ذهب إليه فريق من الناس . ولهذا وصف الله أهل الباطل بأنهم أموات وأنهم ( صم بكم عمي ) وأنهم ( لا يفقهون ، ولا يعقلون ) وأنهم ( في قول مختلف يؤفك عنه من أفك ) وأنهم ( في ريبهم يترددون ) وأنهم ( يعمهون ) . وإنما نشأ - والله أعلم - الاشتباه على هؤلاء من حيث رأوا أن الله سبحانه يعلم ما لم يكن قبل كونه - أو ( إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ) فرأوا أن المعدوم الذي يخلقه يتميز في علمه وإرادته وقدرته ، فظنوا ذلك لتميز ذات له ثابتة وليس الأمر كذلك . وإنما هو متميز في علم الله وكتابه ، والواحد منا يعلم الموجود والمعدوم الممكن والمعدوم المستحيل ، ويعلم ما كان كآدم والأنبياء ، ويعلم ما يكون كالقيامة والحساب ، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، كما يعلم ما أخبر الله عن أهل النار ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ) وأنهم ( لو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ) وأنه ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) وأنه ( لو كان فيهما آلهة كما يقولون إذاً إلا ابتغوا إلى ذي العرش سبيلا ) وأنهم ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) وأنه ( لولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً )