ابن تيمية
8
مجموعة الرسائل والمسائل
ونحو ذلك من الجمل الشرطية التي يعلم فيها انتفاء الشرط أو ثبوته . فهذه الأمور التي نعلمها نحن ونتصورها ، إما نافين لها أو مثبتين لها في الخارج أو مترددين - ليس بمجرد تصورنا يكون لأعيانها ثبوت في الخارج عن علمنا وأذهاننا ، كما نتصور جبل ياقوت وبحر زئبق وإنسانا من ذهب وفرساً من حجر . فثبوت الشيء في العلم والتقدير ليس هو ثبوت عينه في الخارج ، بل العالم يعلم الشيء ويتكلم به ويكتبه وليس لذاته في الخارج ثبوت ولا وجود أصلاً . وهذا هو تقدير الله السابق لخلقه كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخميس ألف سنة " . وفي سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أول ما خلق الله القلم فقال : اكتب قال : رب وما أكتب ؟ قال ، اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة " وقال ابن عباس " إن الله خلق الخلق وعلم ما هو عاملون ، ثم قال لعلمه " كن كتاباً " فكان كتاباً ؟ ثم أنزل تصديق ذلك في كتابه فقال ( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض ، إن ذلك في كتاب ) " . وهذا هو معنى الحديث الذي رواه أحمد في مسنده عن ميسرة الفجر قال : قلت يا رسول الله متى كنت نبياً ، وفي رواية متى كتبت نبياً ؟ - قال " وآدم بين الروح والجسد " هكذا لفظ الحديث الصحيح . وما ما يرويه هؤلاء الجهال ( 1 ) كابن عربي في الفصوص وغيره من جهال العامة " كنت نبياً وآدم بين الماء والطين " " كنت نبياً وآدم لا ماء ولا طين " فهذا لا أصل له ولم يروه أحد من أهل العلم الصادقين ، ولا هو في شيء من كتب العلم المعتمدة بهذا اللفظ بل هو باطل ، فإن آدم لم يكن بين الماء والطين قط فإن الله خلقه من تراب ، وخلط التراب بالماء حتى صار طيناً ويبس الطين حتى صار صلصالاً كالفخار ، فلم يكن له حال بين الماء والطين مركب من الماء والتراب ، ولو قيل بين الماء والترب لكان أبعد عن المحال ، مع أن هذه الحال لا اختصاص لها ، وإنما قال " بين الروح والجسد " وقال " وإن آدم لمنجدل في طينته " لأن آدم بقي أربعين سنة قبل نفخ الروح فيه كما
--> ( 1 ) أي الجهال بعلم الرواية والأسانيد ونقد الحديث