ابن تيمية

64

مجموعة الرسائل والمسائل

الحروف ، وشيخ من أتباعهم كان بدمشق ، وآخر كان يزعم أنه المهدي الذي يزوج ابنته بعيسى بن مريم ، وأنه خاتم الأولياء . ويدعي هؤلاء وأمثالهم من الأمور ما لا يصلح إلا لله وحده ، كما قد يدعي المدعي منهم لنفسه أو لشيخه ما ادعته النصارى في المسيح . ثم صاحب الفصوص وأمثاله بنوا الأمر على أن الولي يأخذ عن الله بلا واسطة ، والنبي يأخذ بواسطة الملك ، فلهذا صار خاتم الأولياء أفضل عندهم من هذه الجهة ، وهذا باطل وكذب ، فإن الولي لا يأخذ عن الله إلا بواسطة الرسول إليه ، وإذا كان محدثاً قد ألقي إليه شيء وجب عليه أن يزنه بما جاء به الرسول من الكتاب والسنة . وتكليم الله لعباده على ثلاثة أوجه : من وراء حجاب كما كلم موسى ، وبإرسال رسول كما أرسل الملائكة إلى الأنبياء ، وبالإيحاء ، وهذا فيه للولي نصيب ، وأما المرتبتان الأوليان فإنهما للأنبياء خاصة ، والأولياء الذين قامت عليهم الحجة بالرسل لا يأخذون علم الدين إلا بتوسط رسل الله إليهم ، ولو لم يكن إلا عرضه على ما جاء به الرسول ( 1 ) ولن يصلوا في أخذهم عن الله إلى مرتبة نبي أو رسول ، فكيف يكونون آخذين عن الله بلا واسطة ويكون هذا الأخذ أعلى وهم لا يصلون إلى مقام تكليم موسى ولا إلى مقام نزول الملائكة عليهم كما نزلت على الأنبياء ، وهذا دين المسلمين واليهود والنصارى . وأما هؤلاء الجهمية الاتحادية فبنوا على أصلهم الفاسد : أن الله هو الوجود المطلق الثابت لكل موجود ، وصار ما يقع في قلوبهم من الخواطر - وإن كانت

--> ( 1 ) كذا ولعل جواب لو سقط من الناسخ أو حذف للعلم به . وفيه أنهم يعترفون بهذا الاخذ لاحكام التشريع الظاهرة دون الحقائق الباطنة التي يدعونها ويطلقونها على فلسفتهم وخيالاتهم الباطلة