ابن تيمية
6
مجموعة الرسائل والمسائل
المقالة الأولى مقالة ابن عربي صاحب فصوص الحكم وهي مع كونها كفراً فهو أقربهم إلى الإسلام لما يوجد في كلامه من الكلام الجيد الكثير ، ولأنه لا يثبت على الاتحاد ثبات غيره ، بل هو كثير الاضطراب فيه ، وإنما هو قائم مع خياله الواسع الذي يتخيل فيه الحق تارة والباطل أخرى . والله أعلم بما مات عليه . فإن مقالته مبنية على أصلين . الأصل الأول لمذهب ابن عربي أحدهما أن المعدوم شيء ثابت في العدم ، موافقة لمن قال ذلك من المعتزلة والرافضة . وأول من ابتدع هذه المقالة في الإسلام أبو عثمان الشحام شيخ أبي علي الجبائي وتبعه عليها طوائف من القدرية المبتدعة من المعتزلة والرافضة ، وهؤلاء يقولون أن كل معدوم يمكن وجوده فإن حقيقته وماهيته وعينه ثابتة في العدم ، لأنه لولا ثبوتها لما تميز المعلوم المخبر عنه من غير المعلوم المخبر عنه ، ولما صح قصد ما يراد إيجاده ، لأن القصد يستدعي التمييز ، والتمييز لا يكون إلا في شيء ثابت ، لكن هؤلاء وإن ابتدعوا هذه المقالة التي هي باطلة في نفسها وقد كفرهم بها طوائف مت متكلمة السنة - فهم يعترفون بأن الله خلق وجودها ، ولا يقولون أن عين وجودها عين وجود الحق . وأما صاحب الفصوص وأتباعه فيقولون : عين وجودها عين وجود الحق ، فهي متميزة بذواتها الثابتة في العدم متحدة بوجود الحق العالم بها . وعامة كلامه ينبني على هذا لمن تدبره وفهمه . وهؤلاء القائلون بأن المعدوم شيء ثابت في العدم سواء قالوا بأن وجودها خلق الله أو هو الله ، يقولون إن الماهيات والأعيان غير مجعولة ولا مخلوقة وأن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته ، وقد يقولون الوجود صفة للموجود . وهذا القول وإن كان فيه شيه بقول القائلين بقدم العالم أو القائلين بقدم مادة