ابن تيمية

55

مجموعة الرسائل والمسائل

وعلى أصل الهدى والإيمان متميز متبين ، قد بين الله بكتابه الحق من الباطل والهدى من الضلال . قال : فمنا من جهل علمه فقال العجز عن درك الإدراك إدراك . وهذا الكلام مشهور عندهم ونسبته إلى أبي بكر الصديق ، فجعله جاهلاً وإن كان هذا اللفظ لم ينقل عن أبي بكر ولا هو مأثور عنه في شيء من النقول المعتمدة ، وإنما ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر نحواً من ذلك عن بعض التابعين غير مسمى وإنما يرسل إرسالاً من جهة من يكثر الخطأ في مراسليهم ، كما يحكون عن عمر أنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إذا تخاطبا كنت كالزنجي بينهما " . وهذا أيضاً كذب باتفاق أهل المعرفة ، وإنما الذي في الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر " فقال أن عبداً خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار ذلك العبد ما عند الله " فبكى أبو بكر ، فقال : بل نفديك بأنفسنا وأموالنا ، أو كما قال ، فجعل الناس يقولون : عجباً لهذا الشيخ يبكي إن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبداً خيره الله بين الدنيا والآخرة . فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر هو أعلمنا به . وكان أبو بكر هو أعلمهم بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقاصده في كلامه . وإن كانوا كلهم مشتركين في فهمه . وهذا كما في الصحيح أنه قيل لعلي عليه السلام : هل ترك عندكم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ؟ وفي لفظ : هل عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لم يعهده إلى الناس ؟ فقال " لا والذي فلق الحبة وبرا النسمة ، إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه ، وما في هذه الصحيفة ( 1 ) وبهذا ونحو من الأحاديث الصحيحة استدل العلماء على أن ما ذكر عن علي وأهل البيت من أنهم اختصوا بعلم خصهم به النبي صلى الله عليه وسلم دون

--> ( 1 ) هي صحيفة علقها في سيفه كتب عليها عن النبي صلى الله عليه وسلم أحكام الدية وفكاك الأسير وتحريم المدينة