ابن تيمية

5

مجموعة الرسائل والمسائل

وهم لا يقرون بإثبات وجودين البتة . ولا ريب أن هذا القول أقل كفراً من قولهم ، وهو قول كثير من الجهمية الذين كان السلف يردون قولهم ، وهم الذين يزعمون أن الله بذاته في كل مكان . وقد ذكره جماعات من الأئمة والسلف عن الجهمية وكفروهم به ، بل جعلهم خلق من الأئمة - كابن المبارك ويوسف ابن أسباط وطائفة من أهل العلم والحديث من أصحاب أحمد وغيره - خارجين بذلك عن الثنتين والسبعين فرقة . وهو قول بعض متكلمة الجهمية وكثير من متعبديهم . ولا ريب إن إلحاد هؤلاء المتأخرين وتجهمهم وزندقتهم تفريع وتكميل لإلحاد هذه الجهمية الأولى وتجهمها وزندقتها . وأما وجه تسميتهم اتحادية ففيه طريقان ( أحدهما ) لا يرضونه لأن الاتحاد على وزن الاقتران والاقتران يقتضي شيئين اتحد أحدهما بالآخر وهم لا يقرون بوجودين أبداً ( والطريق الثاني ) صحة ذلك بناء على أن الكثرة صارت وحدة كما سأبينه من اضطرابهم . وهذه الطريقة إما على مذهب ابن عربي فإنه يجعل الوجود غير الثبوت ويقول أن وجود الحق قاض على ثبوت الممكنات ، فيصح الاتحاد بين الوجود والثبوت وأما على قول من لا يفرق فيقول أن الكثرة الخيالية صارت وحدة بعد الكشف أو الكثرة العينية صارت وحدة إطلاقية . فصل ولما كان أصلهم الذي بنوا عليه أن وجود المخلوقات والمصنوعات حتى وجود الجن والشياطين والكافرين والفاسقين والكلاب والخنازير والنجاسات والكفر والفسوق والعصيان عين وجود الرب ، لا أنه متميز عنه منفصل عن ذاته ، وإن كان مخلوقاً له مربوباً مصنوعاً له قائماً به ، وهم يشهدون أن في الكائنات تفرقاً وكثرة ظاهرة بالحس والعقل ، فاحتاجوا إلى جمع يزيل الكثرة ، ووحدة ترفع التفرق مع ثبوتها ، فاضطربوا على ثلاث مقالات ، أنا أبينها لك وإن كانوا هم لا يبين بعضهم مقالة نفسه ومقالة غيره لعدم كمال شهود الحق وتصوره .