ابن تيمية

43

مجموعة الرسائل والمسائل

إسراراً - إلى أن قال : وذكر عن قومه أنهم تصاموا عن دعوته ، لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته ، فعلم العلماء بالله ما أشار إليه نوح في حق قومه من الثناء عليهم بلسان الذم ، وعلم أنهم إنما لم يجيبيوا دعوته لما فيها من الفرقان ، والأمر قرآن لا فرقان ومن أقيم في القرآن لا يصغي إلى الفرقان وإن كان فيه . فيمدحون ويحمدون ما ذمه الله ولعنه ونهى عنه ، ويأتون من الأفك والفرية على الله الإلحاد في أسماء الله وآياته بما تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ، كقول صاحب الفصوص في فص نوح : " مما خطيئاتهم أغرقوا " فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العالم بالله وهو الحيرة ( فأدخلوا ناراً ) في عين الماء في المحمدتين ، ( فإذا البحار سجرت - سجرت التنور إذا أوقدته ( فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً ) فكان الله عين أنصارهم ، فهلكوا فيه إلى الأبد ، فلو أخرجتهم إلى السيف سيف الطبيعة لنزلوا عن هذه الدرجة الرفيعة وإن كان الكل لله وبالله بل هو الله ( قال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ) الذين استغشوا ثيابهم وجعلوا أصابعهم في آذانهم ، طلباً للستر لأنه دعاهم ليغفر لهم ، والغفر الستر ( دياراً ) أحداً حتى تعم المنفعة كما عمت الدعوة ( إنك إن تذرهم ) أي تدعهم وتتركهم ( يضلوا عبادك ) أي يحيروهم ويخرجوهم من العبودية ، إلى ما فيهم من أسرار الربوبية ، فينظروا أنفسهم أرباباً ، بعدما كانوا عند أنفسهم عبيداً ، فهم العبيد الأرباب ( ولا يلدوا ) أي ما ينتجون ولا يظهرون ( إلا فاجراً ) أي مظهر ما ستر ( كفاراً ) أي ساتراً ما ظهر بعد ظهوره ، فينظرون ما سترهم ثم يسترون بعد ظهوره . فيحار الناظر ، ولا يعرف قصد الفاجر في فجوره ولا الكافر في كفره ، والشخص وحد ( رب اغفر لي ) أي استرني واستر مراحلي ، فيجعل مقامي وقدري كما جهل قدرك في قولك " وما قدروا لله حق قدره " ( ولوالدي ) أي من كنت تنتجه عنهما وهما العقل والطبيعة ( ولمن دخل بيتي ) أي قلبي ( مؤمناً ) مصدقاً بما يكون فيه من الأخبار الإلهية وهو ما