ابن تيمية

44

مجموعة الرسائل والمسائل

حدثت به أنفسها ( وللمؤمنين ) من العقول ( والمؤمنات ) من النفوس ( ولا تزد الظالمين ) من الظلمات أهل العنت المكتنفين داخل الحجب الظلمانية ( إلا تبارا ) أي هلاكاً ، فلا يعرفون نفوسهم ، لشهودهم وجه الحق دونهم . وهذا كله من أقبح تبديل كلام الله وتحريفه ، ولقد ذم الله أهل الكتاب في القرآن على ما هو دون هذا ، فإنه ذمهم على أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه وأنهم ( يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) وهؤلاء قد حرفوا كلام الله عن مواضعه أقبح تحريف ، وكتبوا كتب النفاق والإلحاد بأيديهم وزعموا أنها من عند الله ، تارة يزعمون أنهم يأخذون من حيث يأخذ الملك الذي يوحي به إلى النبي ، فيكون فوق النبي بدرجة ، وتارة يزعمون أنهم يأخذون من حيث يأخذ الله ، فيكون أحدهم في عمله بنفسه بمنزله علم الله به ، لأن الأخذ من معدن واحد ، وتارة يزعم أحدهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه في منامه هذا النفاق العظيم ، والإلحاد البليغ ، وأمره أن يخرج به إلى أمته وأنه أبرزه كما حد له رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان ، وكان جماعة من الفضلاء - حتى بعض من خاطبني فيه وانتصر له - يرى أنه كان يستحل الكذب ، ويختارون أن يقال كان يتعمد الكذب ، وأن ذلك هو أهون من الكفر ، ثم صرحوا بأن مقالته كفر . وكان ممن يشهد عليه بتعمد الكذب غير واحد من عقلاء الناس وفضلائهم من المشايخ والعلماء . ومعلوم أن هذا من أبلغ الكذب على الله ورسوله وأنه من أحق الناس بقوله ( ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ) وكثير من المتنبئين الكذابين كالمختار بن أبي عبيد وأمثاله لم يبلغ كذبهم وافتراؤهم إلى هذا الحد ، بل مسيلمة الكذاب لم يبلغ كذبه وافتراؤه إلى هذا الحد ، وهؤلاء كلهم كان يعظم النبي صلى الله عليه وسلم ويقر له بالرسالة ، لكن كان يدعي أنه رسول آخر ، ولا ينكر وجود الرب