ابن تيمية

41

مجموعة الرسائل والمسائل

هو مثل الشمعة التي تتصور في صور مختلفة وهي واحدة ، فهو عندهم الوجود ، واختلاف أحواله كاختلاف أحوال الشمعة ، ولهذا كان صاحب هذه المقالات متخبطاً لا يستقر عند المسلمين الموحدين المخلصين ، ولا هو عند هؤلاء الملاحدة الاتحادية من محققيهم العارفين . فإن هؤلاء كلهم من جنس النصيرية والإسماعيلية ، مقالات هؤلاء في الرب من جنس مقالات أولئك ، وأولئك فيهم المتمسك بالشريعة وفيهم المتخلي عنها ، وهؤلاء كذلك ، لكن أولئك أحذق في الزندقة ، وهم يعلمون أنهم معطلون مثل فرعون ، وهؤلاء جهال يحسبون أنهم يحسنون صنعاً . الوجه السادس : قوله من العلويات والسفليات لو ارتفعت لانبسط نور الله تعالى بحيث لا يظهر فيه شيء أصلاً . وهذا كلام مجمل ، ولا ريب أن قائل هذه المقالة من المذبذبين بين الكافرين والمؤمنين ، لا هو من المؤمنين ولا من الاتحادية المحضة ، لكنه قد لبس الحق بالباطل ، وذلك أن الاتحادية يقولون أن عين السماوات والأرض لو زالت لعدم الله ، واللفظ يصرح به بعضهم ، وأما غالبهم فيشيرون إليه إشارة وعوامهم لا يفهمون هذا من مذهب الباقين فإن هؤلاء من جنس القرامطة والباطنية ، وأولئك إنما يصل إلى البلاغ الأكبر الذي هو آخر المراتب خواصهم . ولهذا حدثني بعض أكابر هؤلاء الاتحادية عن صاحب هذه المقالة أنه كان يقول ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف ، فقلت له : هذا من أبطل الباطل ، بل ليس بين مذهبين من الفرق أعظم مما بين التوحيد والإلحاد . وهذا قاله بناء على هذا الخلط واللبس الذي خلطه ، مثل قوله أن العلويات والسفليات لو ارتفعت لانبسط نور الله بحيث لا يظهر فيه شيء . فيقال له : إذا ارتفعت العلويات والسفليات فما تعني بانبساطه ؟ أتعني تفرقه وعدمه كما يتفرق نور العين عند عدم الأجفان ؟ أم تعني أنه ينبسط شيء موجود ؟