ابن تيمية
38
مجموعة الرسائل والمسائل
ذلك في غير هذا الموضع . لكن الصابئة الفلاسفة خير من هؤلاء فإنهم يقرون بواجب الوجود الذي صدرت عنه العقول والنفوس والأفلاك والأرض لا يجعلونها إياه وهؤلاء يجعلونا إياه . فقولهم إنما ينطبق على المعطلة مثل فرعون وحزبه الذي قال ( وما رب العالمين ) وقال ( ما علمت لكم من إله غيري ) وقال ( يا هامان ابن لي صرحاً لعلى أبلغ الأسباب أسباب السماوات ) الآية ، فإن فرعون يقر بوجود هذا العالم ويقول ما فوق رب ولا له خالق غيره . فهؤلاء إذا قالوا أنه عين السماوات والأرض ، فقد جحد وأما جحده فرعون وأقروا بما أقر به فرعون ، إلا أن فرعون لم يسمه إلهاً ولم يقل هو الله . وهؤلاء قالوا هذا هو الله . فهم مقرون بالصانع لكن جعلوه هو الصنعة . فهم في الحقيقة معطلون ، وفي اعتقادهم مقرون ، وفرعون بالعكس كان منكراً للصانع في الظاهر وكان في الباطن مقراً به . فهو أكفرهم منهم ، وهم أضل منه وأجهل . ولهذا يعظمونه جداً . الوجه الحادي عشر : قول القائل بل هذا هو الحق الصريح المتبع ، لا ما يرى المنحرف عن مناهج الإسلام ودينه ، المتحير في بيداء ضلالته وجهله . فيقال : من الذي قال هذا الحق من الأولين والآخرين ؟ وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره الذي هو كلام الله ووحيه وتنزيله ليس فيه شيء من هذا ، ولا في حديث واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أئمة الإسلام ومشايخه ، إلا عن هؤلاء المفترين على الله الذين هم في مشايخ الدين نظير جنكسخان في أمر الحرب ، فديانتهم تشبه دولته ، ولعل إقراره بالصانع خير من إقرارهم ، لكن بعضهم قد يوجب الإسلام فيكون خيراً من التتار في هذا الوجه . وأما محققوهم وجمهورهم فيجوز عندهم التهود والتنصر والإسلام والإشراك ، لا يحرمون شيئاً من ذلك ، بل المحقق عندهم لا يحرم عليه شيء ولا يجب عليه شيء ، ومعلوم أن التتار الكفار خير من هؤلاء ، فإن هؤلاء مرتدون عن الإسلام من