ابن تيمية
16
مجموعة الرسائل والمسائل
وأما قولهم : إن الوجود مشترك والحقيقة لا اشتراك فيا ، - فالقول فيه كذلك فإن الوجود المعين الموجود في الخارج لا اشتراك فيه ، كما أن الحقيقة المعينة الموجودة في الخارج لا اشتراك فيها . وإنما العلم يدرك الوجود المشترك كما يدرك الماهية المشتركة ، فالمشترك ثبوته في الذهن لا في الخارج ، وما في الخارج ليس فيه اشتراك البتة ، والذهن إن أدرك الماهية المعينة الموجودة في الخارج لم يمكن فيها اشتراك وإنما الاشتراك فيما يدركه من الأمور المطلقة العامة وليس في الخارج شيء مطلق عام بوصف بالإطلاق والعموم ؟ وإنما فيه المطلق لا بشرط الإطلاق وذلك لا يوجد في الخارج إلا معيناً ، فينبغي للعاقل أن يفرق بين ثبوت الشيء ووجوده في نفسه ، وبين ثبوته ووجوده في العلم ، فإن ذاك هو الوجود العيني الخارجي الحقيقي ، وأما هذا فيقال له الوجود الذهني والعلمي . وما من شيء إلا له هذان الثبوتان والعلم يعبر عنه باللفظ ويكتب اللفظ بالخط فيصير لكل شيء أربعة مراتب : وجود في الأعيان ، ووجود في الأذهان ، ووجود في للسان ، ووجود في البنان ، وجود عيني ، وعلمي ، ولفظي ، ورسمي . ولهذا كان أول ما أنزل الله على نبيه سورة ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) ذكر فيها النوعين فقال ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ) فذكر جميع المخلوقات بوجودها العيني عموماً ثم خصوصاً ، فخص الإنسان بالخلق بعدما عم غيره ، ثم قال ( اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم ) فخص التعليم للإنسان بعد تعميم التعليم بالقلم ، وذكر القلم لأن التعليم بالقلم هو الخط وهو مستلزم لتعليم اللفظ ، فإن الخط يطابقه ، وتعليم اللفظ هو البيان وهو مستلزم لتعليم العلم ، لأن العبارة تطابق المعنى ، فصار تعليمه بالقلم مستلزماً للمراتب الثلاث : اللفظي ، والعلمي ، والرسمي ، بخلاف ما لو أطلق التعليم أو ذكر تعليم العلم فقط لم يكن ذلك مستوعباً للمراتب . فذكر في هذه السورة الوجود العيني والعلمي وأن الله سبحانه هو معطيهما فهو خالق الخلق وخالق الإنسان ، وهو المعلم بالقلم ومعلم الإنسان . فأما إثبات وجود الشيء في الخارج قبل وجوده فهذا أمر معلوم الفساد بالعقل والسمع وهو مخالف للكتاب والسنة والإجماع .