ابن تيمية
12
مجموعة الرسائل والمسائل
الله عليه وبها صار نبياً ، ثم أنزل عليه سورة المدثر ، وبها صار رسولاً لقوله ( ثم فأنذر ) ولهذا ذكر سبحانه في هذه السورة الوجود العيني والوجود العلمي . وهذا أمر بين يعقله الإنسان بقلبه لا يحتاج فيه إلى سمع ، فإن الشيء لا يكون قبل كونه . وأما كون الأشياء معلومة لله قبل كونها فهذا حق لا ريب فيه . وكذلك كونها مكتوبة عنده أو عند ملائكته ، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وجاءت به الآثار . وهذا العلم والكتاب هو القدر الذي ينكره غالية القدرية ويزعمون أن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وهم كفار ، كفرهم الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما . وقد بين الكتاب والسنة هذا القدر وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن السؤال الوارد عليه ، وهو ترك العمل لأجله ، فأجاب صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب قال : كنا في جنازة في بقيع الغرقد ، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ، ومعه مخصرة ( 1 ) فجعل ينكت بمخصرته ثم قال " ما منكم من أحد - أو قال - ما نفس منفوسة إلا قد كتب الله مكانها من الجنة والنار ، وإلا قد كتب شقية أو سعيدة " قال فقال رجل : يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل ، فمن كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة ؟ فقال " اعملوا فكل ميسر : أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة ، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة - ثم قرأ ( فأما من أعطى واتقى ) إلى آخر الآيات " وفي رواية : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالساً وفي يده عود ينكت به الأرض فرفع رأسه فقال " ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار " قالوا يا رسول الله فلم نعمل ؟ أفلا نتكل ؟ قال " لا ، اعملوا فكل ميسر لما خلق له - ثم قرأ ( فأما من أعطى ) الآية " . وفي الصحيحين أيضاً عن عمران بن حصين قال : قيل يا رسول الله ، أعلم أهل
--> ( 1 ) كمكنسة : ما يتوكأ عليه كالعصا ونحوه وما يأخذه الملك يشير به إذا خاطب والخطيب إذا خطب