ابن تيمية
112
مجموعة الرسائل والمسائل
فهذا قد بين أن العرش فوق الفردوس الذي هو أوسط الجنة وأعلاها ، وأن الجنة مائة درجة ، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها . والحديث الثاني يوافقه في وصف الدرج المائة ، والثالث يوافقه في أن الفردوس أعلاها . وإذا كان العرش فوقه فلقائل أن يقول : إذا كان كذلك كان في هذا من العلو والارتفاع ما لم يعلم بالهيئة ، إذ لا يعلم بالحساب أن بين التاسع والأول كما بين السماء والأرض مائة مرة ، بل عندهم أن التاسع ملاصق للثامن . فهذا قد بين أن العرش فوق الفردوس الذي هو أوسط الجنة وأعلاها . وفي حديث أبي ذر المشهور قال : قلت يا رسول الله ، أيما أنزل عليك أعظم ؟ قال " آية الكرسي " ثم قال يا أبا ذر " ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة " والحديث له طرق وقد رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه وأحمد في المسند وغيرهما . وقد استدل من استدل على أن العرش مقبب بالحديث الذي في سنن أبي داود وغيره عن جبير بن مطعم قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال : يا رسول الله ، جهدت الأنفس وجاع العيال ، وهلك المال ، فادع الله لنا . فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك . فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه وقال " ويحك ، أتدري ما تقول ؟ إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه . شأن الله أعظم من ذلك . إن الله على عرشه ، وإن عرشه على سماواته ، وسماواته فوق أرضه ، لهكذا " وقال بأصابعه مثل القبة . وفي لفظ " وإن عرشه فوق سماواته ، وسماواته فوق أرضه لهكذا " وقال بأصابعه مثل القبة ( 1 ) وهذا الحديث إن دل على
--> ( 1 ) لهذا الحديث بقية والفاظ مختلفة قال البيهقي بعد ايراده في الأسماء والصفات عن أبي داود : وهذا حديث ينفرد به محمد بن إسحاق بن يسار عن يعقوب بن عتبة ، وصاحبا الصحيح لم يحتجا به انما استشهد مسلم بن الحجاج بمحمد بن إسحاق في أحاديث معدودة اظنهن خمسة قد رواهن غيره . وذكره البخاري في الشواهد ذكراً من غير رواية ، وكان مالك بن انس لا يرضاه ، ويحيى بن سعيد القطان لا يروي عنه ، ويحيى بن معين يقول ليس هو بحجة ، وأحمد بن حنبل يقول يكتب عنه هذه الأحاديث - يعني المغازي ونحوها - فإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوما هكذا - يريد أقوى منه - فإذا كان لا يحتج به في الحلال والحرام فأولى أن لا يحتج به في صفات الله سبحانه . وانما نقموا عليه في روايته عن أهل الكتاب ثم عن ضعفاء الناس وتدليسه أساميهم . فإذا روى عن ثقة وبين سماعه منه فجماعة من الأئمة لم يروا به باسا . وهو انما روى هذا الحديث عن يعقوب بن عتبة وبعضهم يقول عن عتبة وعن محمد بن جبير ولم يبين سماعه منهما . واختلف عليه في لفظه كما ترى اه فجملة القول أن هذا الحديث لا يصح ولعل الشيخ أورده استيفاء للروايات النافية لأقوال أهل الهيئة