ابن تيمية

107

مجموعة الرسائل والمسائل

عاقل أنه باطل وضلال ، وإذا كان هؤلاء ليس عندهم ما ينفي وجود شيء آخر فوق الأفلاك التسعة كان يجزم ( 1 ) أن ما أخبرت به الرسل من العرش هو الفلك التاسع رجماً بالغيب وقولاً بلا علم . هذا كله على تقدير ثبوت الأفلاك التسعة على المشهور عند أهل الهيئة ، إذ في ذلك من النزاع والاضطراب وفي أدلة ذلك ما ليس هذا موضعه ، وإنما نتكلم على هذا التقدير أيضاً ( 2 ) فالأفلاك في أشكالها وإحاطة بعضها ببعض من جنس واحد فنسبة السابع إلى السادس كنسبة السادس إلى الخامس . وإذا كان هناك فلك تاسع فنسبته إلى الثامن كنسبة الثامن إلى السابع . وأما العرش فالأخبار تدل على مباينته لغيره من المخلوقات وأنه ليس نسبته إلى بعضها كنسبة بعضها إلى بعض ، قال الله تعالى ( الذين يحملون العرش ومن حوله يسحبون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتعبوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ) وقال تعالى ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) فأخبر أن للعرش حملة اليوم ويوم القيامة ، وأن حملته ومن حوله يسحبون ويستغفرون للمؤمنين ، والمعلوم أن قيام فلك من الأفلاك بقدرة الله تعالى كقيام سائر الأفلاك لا فرق في ذلك بين كرة وكرة ، وإن قدر أن لبعضها في نفس الأمر ملائكة تحملها فحكمه حكم نظيره .

--> ( 1 ) لعل أصله : كان جزمه أو جزمهم بأن ما أخبرت الرسل إلخ ( 2 ) يعني الشيخ ( رح ) انه يبني ابطال قولهم على تقدير ثبوت الأفلاك التسعة جدلا وهي غير ثابتة بدليل صحيح ، ونقول إنه قد تبين بعده بما ارتقى إليه علم الهيئة الفلكية بالآلات الحديثة المقربة للابعاد بطلان القول بالافلاك التسعة التي تخيلها اليونان وتبعهم فيها علماء العرب