ابن تيمية

80

مجموعة الرسائل والمسائل

ذلك اتبعه ومن خفي عليه توقف حتى يبينه الله له ، وينبغي له أن يستعين على ذلك بالدعاء لله ، ومن أحسن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول : " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " . وأقول : القائل الآخر كلامه كتب بها يقتضي أنه أراد بالحروف ما يتناول المنطوق والمكتوب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات ، أما إني لا أقول ألم حرف ، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف " . قال الترمذي : حديث صحيح . فهنا لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم بالحرف نفس المداد وشكل المداد وإنما أراد الحرف المنطوق ، وفي مراده بالحرف قولان : قيل هذا اللفظ المفرد ، وقيل أراد صلى الله عليه وسلم بالحرف الاسم كما قال ألف حرف ولام حرف وميم حرف . ولفظ الحرف والكلمة له في لغة العرب التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم بها معنى ، وله في اصطلاح النحاة معنى ، فالكلمة في لغتهم هي الجملة التامة ، الجملة الاسمية أو الفعلية ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته : " كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في الميزان ، حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم " . وقال صلى الله عليه وسلم : " إن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل " . وقال " إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب له بها رضوان الله إلى يوم القيامة ، وأن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب له بها سخطه إلى يوم القيامة " وقال لأم المؤمنين ( 1 ) : " لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن ، سبحان الله

--> ( 1 ) لعل اسمها سقط من الناسخ وهي صفية ( رض )