ابن تيمية
74
مجموعة الرسائل والمسائل
لما أتاها ، لم يناد قبل ذلك ، وكذلك قوله : " إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون " ومثل هذا في القرآن كثير . وهذا الأصل هو مما أنكره الإمام أحمد على ابن كلاب وأصحابه حتى على الحارث المحاسبي مع جلالة قدر الحارث ، وأمر أحمد بهجره وهجر الكلابية ، وقال : احذروا من حارث ، الآفة كلها من حارث ، فمات الحارث وما صلى عليه إلا نفر قليل بسبب تحذير الإمام أحمد عنه ، مع أن فيه من العلم والدين ما هو أفضل من عامة من وافق ابن كلاب على هذا الأصل ، وقد قيل أن الحارث رجع عن ذلك وأقر بأن الله يتكلم بصوت كما حكى عنه ذلك صاحب : التعرف لمذهب التصوف ، أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي . وكثير من المتأخرين من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وافقوا ابن كلاب على هذا الأصل ، كما قد بسط الكلام على ذلك في مواضع أخر . واختلف كلام ابن عقيل في هذا الأصل ، فتارة يقول بقول ابن كلاب وتارة يقول بمذهب السلف وأهل الحديث أن الله تقوم به الأمور الاختيارية ، ويقول أنه قام به بأبصار متجددة حين تجدد المرئيات لم تكن قبل ذلك ، وقام به علم بأن كل شيء وجد غير العلم الذي كان أولاً أنه سيوجد ، كما دل على ذلك عدة آيات في القرآن كقوله تعالى " لنعلم من يتبع الرسول " وغير ذلك ، وكلامه في هذا الأصل وغيره يختلف ، تارة هذا وتارة يقول هذا ، فإن هذه المواضع مواضع مشكلة كثر فيها غلط الناس لما فيها من الاشتباه والالتباس . والجواب الحق أن كلام الله لا يماثل كلام المخلوقين ، كما لا يماثل في شيء من صفاته صفات المخلوقين ، وقول القائل أن الاشتراك في الحقيقة لا يدل على الاشتراك في الحدوث لفظ مجمل ، فإنا إذا قلنا : لله علم ولنا علم ، أو له قدرة ولنا قدرة ، أو له كلام ولنا كلام ، أو تكلم بصوت ونحن نتكلم بصوت ، وقلنا صفة الخالق