ابن تيمية

75

مجموعة الرسائل والمسائل

وصفة المخلوق اشتركتا في الحقيقة - فإن أريد بذلك أن حقيقتهما واحدة بالعين فهذا مخالف للحس والعقل والشرع ، وإن أريد بذلك أن هذه مماثلة لهذه في الحقيقة وإنما اختلفتا في الصفات العرضية ، كما قال ذلك طائفة من أهل الكلام - وقد بين فساد ذلك في الكلام على الأربعين للرازي وغير ذلك - فهذا أيضاً من أبطل الباطل ، وذلك يستلزم أن تكون حقيقة ذات الباري عز وجل مماثلة الحقيقة ذوات المخلوقين . وإن أريد بذلك أنهما اشتركا في مسمى العلم والقدرة والكلام فهذا صحيح ، كما أنه إذا قيل إنه موجود أو أن له ذاتاً فقد اشتركا في مسمى الوجود والذات ، لكن هذا المشترك أمر كلي لا يوجد إلا في الأذهان لا في الأعيان ( 1 ) فليس في الخارج شيء اشترك فيه مخلوقان كاشتراك الجزئيات في كلياتها بخلاف اشتراك الأجزاء في الكل فإنه يجب الفرق بين قسمة الكلي إلى جزئياته كقسمة الحيوان إلى ناطق وغير ناطق ، وقسمة الإنسان إلى مسلم وكافر ، وقسمة الاسم إلى معرب ومبني ، وقسمة الكل إلى أجزائه كقسمة العقار بين الشركاء وقسمة الكلام إلى اسم وفعل وحرف ، ففي الأول إنما اشتركت الأقسام في أمر كلي فضلاً عن أن يكون الخالق والمخلوقون مشتركين في شيء موجود في الخارج وليس في الخارج صفة لله يماثل بها صفة المخلوق ، بل كل ما يوصف به الرب تعالى فهو مخالف بالحد والحقيقة لما يوصف به المخلوق أعظم مما يخالف المخلوق المخلوق ، وإذا كان المخلوق مخالفاً بذاته وصفاته لبعض المخلوقات في الحد والحقيقة

--> ( 1 ) يظهر من هذا التفصيل أن شيخ الإسلام يرجح أن الاشتراك بين صفات الله وصفات المخلوق اشتراك في التسمية لا في الجنس الذي ينقسم إلى أنواع هي جزئياته . وهذا هو الذي اختاره شيخنا في درسه لرسالة التوحيد وذكرناه في حاشية لها وأشرنا إليه في حاشية سابقة على هذا الكتاب