ابن تيمية

154

مجموعة الرسائل والمسائل

عين صفة الرب تحل في العبد أو يتحد بصفته فقال بنوع من الحلول والاتحاد يفضي إلى نوع من التعطيل . وقد علم أن عدم الفرق والمباينة بين الخالق وصفاته والمخلوق وصفاته خطأ وضلال لم يذهب إليه أحد من سلف الأمة وأئمتها ، بل هم متفقون على التمييز بين صوت الرب وصوت العبد ، ومتفقون أن الله تكلم بالقرآن الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم حروفه ومعانيه ، وأنه ينادي عباده بصوته ، ومتفقون على أن الأصوات المسموعة من القراء أصوات العباد ، وعلى أنه ليس شيء من أصوات العباد ولا مداد المصاحف قديماً ، بل القرآن مكتوب في مصاحف المسلمين مقروء بألسنتهم محفوظ بقلوبهم وهو كله كلام الله . والصحابة كتبوا المصاحف لما كتبوها بغير شكل ولا نقط لأنهم كانوا عرباً لا يلحنون ، ثم لما أحدث اللحن نقط المصاحف وشكلوها ، فإن كتبت بلا شكل ولا نقط جاز ، وإن كتبت بنقط وشكل جاز ولم يكره في أظهر قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد . وحكم النقط والشكل حكم الحروف ، فإن الشكل يبين إعراب القرآن كما يبين النقط الحروف ، والمداد الذي يكتب به الحروف ويكتب به الشكل والنقط مخلوق ، وكلام الله العربي الذي أنزله وكتب في المصاحف بالشكل والنقط وبغير شكل ونقط ليس بمخلوق ، وحكم الإعراب حكم الحروف ، لكن الإعراب لا يستقل بنفسه بل هو تابع للحروف المرسومة فلهذا يحتاج لتجريدهما وإفرادهما بالكلام ، بل القرآن الذي يقرأه المسلمون هو كلام الله معانيه وحروفه وإعرابه ، والله تكلم بالقرآن العربي الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم والناس يقرؤونه بأفعالهم وأصواتهم ، والمكتوب في مصاحف المسلمين هو كلام الله وهو القرآن العربي الذي أنزل على نبيه سواء كتب بشكل ونقط أو بغير شكل ونقط ، والمداد الذي كتب به القرآن ليس بقديم بل هو مخلوق ، والقرآن الذي كتب في المصحف بالمداد هو كلام الله منزل غير مخلوق ، والمصاحف يجب احترامها