ابن تيمية
153
مجموعة الرسائل والمسائل
" ألم غلبت الروم " أهذا كلامك أم كلام صاحبك ؟ فقال : ليس بكلامي ولا كلام صاحبي ولكنه كلام الله تعالى . والناس إذ بلغوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم كقوله : " إنما الأعمال بالنيات " أن الحديث الذي يسمعونه حديث النبي صلى الله عليه وسلم تكلم به بصوته وبحروفه ومعانيه ، والمحدث بلغه عنه بصوت نفسه لا بصوت النبي صلى الله عليه وسلم ، فالقرآن أولى أن يكون كلام الله إذا بلغته الرسل عنه وقرأته الناس بأصواتهم . والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه بصوت نفسه ونادى موسى بصوت نفسه ، كما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف ، وصوت العبد ليس هو صوت الرب ولا مثل صوته ، فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله . وقد نص أئمة الإسلام أحمد ومن قبله من الأئمة على ما نطق به الكتاب والسنة من أن الله ينادي بصوت ، وأن القرآن كلامه تكلم بحرف وصوت ليس منه شيء كلاماً لغيره ، لا جبريل ولا غيره ، وأن العباد يقرؤونه بأصوات أنفسهم وأفعالهم ، فالصوت المسموع من العبد صوت القارئ والكلام كلام البارئ . وكثير من الخائضين في هذه المسألة لا يميز بين صوت العبد وصوت الرب بل يجعل هذا هو هذا فينفيهما جميعاً أو يثبتهما ، جميعاً ، فإذا نفى الحرف والصوت نفى أن يكون القرآن العربي كلام الله ، وأن يكون منادياً لعباده بصوته ، وأن يكون القرآن الذي يقرأه المسلمون هو كلام الله كما نفى أن يكون صوت العبد صفة لله عز وجل ، ثم جعل كلام الله المتنوع شيئاً واحداً لا فرق بين القديم والحادث ، وهو مصيب في هذا الفرق دون ذاك الثاني الذي فيه نوع من الإلحاد والتعطيل ، حيث جعل الكلام المتنوع شيئاً واحداً لا حقيقة له عند التحقيق . وإذا ثبت جعل صوت الرب هو العبد أو سكت عن التمييز بينهما مع قوله أن الحروف متعاقبة في الوجود مقترنة في الذات قديمة أزلية الأعيان فجعل