ابن تيمية

152

مجموعة الرسائل والمسائل

الروح الأمين على محمد صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين والمرسلين وأن جبريل سمعه من الله والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل ، والمسلمون سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى : " قل نزله روح القدس من ربك بالحق " وقال : " والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق " فقد أصاب في ذلك ، فإن هذا مذهب سلف الأمة وأئمتها والدلائل على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع . ومن قال : إن القرآن العرب لم يتكلم الله به وإنما هو كلام جبريل أو غيره عبر به عن المعنى القائم بذات الله ، كما يقول ذلك ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما فهو قول باطل من وجوه كثيرة . فإن هؤلاء يقولون : إنه معنى واحد قائم بالذات ، وأن معنى التوراة والإنجيل والقرآن واحد ، وأنه لا يتعدد ولا يتبعض ، وأنه إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً وبالعبرانية كان توراة وبالسريانية كان إنجيلاً فيجعلون معنى آية الكرسي وآية الدين و " قل هو الله أحد " " تبُّت يدا أبي لهب " والتوراة والإنجيل وغيرهما معنى واحداً ، وهذا قول فاسد بالعقل والمشاهدة وهو قول أحدثه ابن كلاب لم يسبقه إليه غيره من السلف . وإن أراد القائل بالحرف والصوت أن الأصوات المسموعة من القراء ، والمداد الذي في المصاحف قديم أزلي ، أخطأ وابتدع ، وقال ما يخالف العقل والشرع ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " زينوا القرآن بأصواتكم " فبين أن الصوت صوت القارئ ، والكلام كلام البارئ ، كما قال تعالى " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله " فالقرآن الذي يقرأه المسلمون كلام الله لا كلام غيره كما ذكر الله ذلك ، وفي السنن عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقول : " ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي " . وقالوا لأبي بكر الصديق لما قرأ عليهم