ابن تيمية

101

مجموعة الرسائل والمسائل

وإذا كان هذا معلوماً في تبليغ كلام المخلوق فكلام الخالق أولى بذلك ، ولهذا قال تعالى : " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله " وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " زينوا القرآن بأصواتكم " فجعل الكلام كلام البارئ ، وجعل الصوت الذي يقرؤه به العبد صوت القارئ ، وأصوات العباد ليست هي الصوت الذي ينادي الله به ويتكلم به ، كما نطقت النصوص بذلك بل ولا مثله ، فإن الله تعالى " ليس كمثله شيء " لا في ذاته ولا أفعاله ، فليس علمه مثل علم المخلوقين ولا قدرته مثل قدرتهم ، ولا كلامه مثل كلامهم ، ولا نداؤه مثل ندائهم ، ولا صوته مثل أصواتهم ، فمن قال عن القرآن الذي يقرؤه المسلمون ليس هو كلام الله أو هو كلام غير الله فهو ملحد مبتدع ضال ، ومن قال إن أصوات العباد أو المداد الذي يكتب به القرآن قديم أزلي فهو ملحد مبتدع ، بل هذا القرآن هو كلام الله وهو مثبت في المصاحف ، وكلام الله مبلغ عنه ، مسموع من القراء ليس مسموعاً منه ، فالإنسان يرى الشمس والقمر والكواكب بطريق المباشرة ويراها في ماء أو مرآة ، فهذه رؤية مقيدة بالواسطة ، وتلك مطلقة بطريق المباشرة ، ويسمع من المبلغ عنه بواسطة ، والمقصود بالسماع هو كلامه في الموضعين كما أن المقصود بالرؤية هو المرئي في الموضعين . فمن عرف ما بين الحالين من الاجتماع والافتراق والاختلاف والاتفاق زالت عنه الشبهة التي تصيب كثيراً من الناس في هذا الباب ، فإن طائفة قالت هذا المسموع كلام الله ، والمسموع صوت العبد وصوته مخلوق ، فكلام الله مخلوق ، وهذا جهل فإنه مسموع من المبلغ ، ولا يلزم إذا كان صوت المبلغ مخلوقاً أن يكون نفس الكلام مخلوقاً ، وطائفة قالت : هذا المسموع صوت العبد وهو مخلوق والقرآن ليس بمخلوق ، ولا يكون هذا المسموع كلام الله ، وهذا جهل ، فإن المخلوق هو الصوت لا نفس الكلام الذي يسمع من المتكلم به ومن المبلغ عنه ، وطائفة قالت : هذا