الحاج حسين الشاكري
152
موسوعة المصطفى والعترة ( ع )
فلم ألحقه ، وغاب عن عيني ، فلمّا نزلنا واقصة ( 1 ) ، وإذا به يصليّ وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري ، فقلت : هذا صاحبي أمضي إليه وأستحلّه . فصبرت حتّى جلس وأقبلت نحوه ، فلمّا رآني مقبلا قال : يا شقيق اتلُ : ( وَإنيِّ لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ) ( 2 ) . ثمّ تركني ومضى ، فقلت : إنّ هذا الفتى لمن الأبدال ، لقد تكلّم على سرّي مرّتين ، فلمّا نزلنا زبالة ( 3 ) إذا بالفتى قائم على البئر وبيده ركوة ( 4 ) يريد أن يستقي ماءً ، فسقطت الركوة من يده في البئر ، وأنا أنظر إليه ، فرأيته وقد رمق السماء وسمعته يقول : أنت رِييّ ( 5 ) إذا ظمئت إلى الماء * وقُوتي إذا أردت الطعاما اللّهم سيّدي ما لي غيرها فلا تعدمنيها ، قال شقيق : فوالله لقد رأيت البئر وقد ارتفع ماؤها ، فمدّ يده وأخذ الركوة وملأها ماءً ، فتوضّأ وصلّى أربع ركعات ، ثمّ مال إلى كثيب رمل ، فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحرّكه ويشرب ، فأقبلت إليه وسلّمت عليه ، فردّ عليّ السلام . فقلت : أطعمني من فضل ما أنعم الله عليك . فقال : يا شقيق ، لم تزل نعمة الله علينا ظاهرة وباطنة ، فأحسن ظنّك بربّك ، ثمّ ناولني الركوة فشربت منها ، فإذا هو سويق وسكّر ، فوالله ما شربت قطّ ألذّ منه ولا أطيب ريحاً ، فشبعت ورويت ، وبقيت أياماً لا أشتهي طعاماً وشراباً .
--> ( 1 ) واقصة : منزل بطريق مكّة بعد القرعاء . ( 2 ) طه : 82 . ( 3 ) زبالة : منزل بطريق مكّة من الكوفة . ( 4 ) الركوة : إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء . ( 5 ) في نسخة : ربّي .