الحاج حسين الشاكري
41
موسوعة المصطفى والعترة ( ع )
ولو كان الخلق كلّهم أغنياء لخربت الدنيا وفسد التدبير ، وصار أهلها إلى الفناء ولكن جعل بعضهم لبعض عوناً ، وجعل أسباب أرزاقهم في ضروب الأعمال وأنواع الصناعات ، وذلك أدوم في البقاء وأصحّ في التدبير ، ثمّ اختبر الأغنياء بالاستعطاف على الفقراء ، كلّ ذلك لطف ورحمة من الحكيم الذي لا يعاب تدبيره . قال الزنديق : فما استحقّ الطفل الصغير ما يصيبه من الأوجاع والأمراض بلا ذنب عمله ، ولا جرم سلف منه ؟ قال ( عليه السلام ) : إنّ المرض على وجوه شتّى : مرض بلوى ، ومرض عقوبة ، ومرض جعل علّة للفناء ، وأنت تزعم أنّ ذلك عن أغذية وديّة ، وأشربة وبيّة ( 1 ) ، أو من علّة كانت بأُمّه ، وتزعم أنّ من أحسن السياسة لبدنه ، وأجمل النظر في أحوال نفسه ، وعرف الضارّ ممّا يأكل من النافع لم يمرض ، وتميل في قولك إلى من يزعم أنّه لا يكون المرض والموت إلاّ من المطعم والمشرب ! قد مات أرسطاطاليس معلّم الأطباء وإفلاطون رئيس الحكماء ، وجالينوس شاخ ودقّ بصره وما دفع الموت حين نزل بساحته ، ولم يألوا حفظ أنفسهم والنظر لما يوافقها ، كم مريضاً قد زاده المعالج سقماً ، وكم من طبيب عالم وبصير بالأدواء ( 2 ) والأدوية ماهر مات ، وعاش الجاهل بالطبّ بعده زماناً ، فلا ذاك نفعه علمه بطبّه عند انقطاع مدّته وحضور أجله ، ولا هذا ضرّه الجهل بالطبّ مع بقاء المدّة وتأخّر الأجل . ثمّ قال ( عليه السلام ) : إنّ أكثر الأطباء قالوا : إنّ علم الطبّ لم تعرفه الأنبياء ، فما نصنع على قياس قولهم بعلم زعموا ليس تعرفه الأنبياء الذين كانوا حجج اللّه
--> ( 1 ) الوَديّة : المهلكة ، الوَبيّة : الكثيرة الوباء . ( 2 ) الأدواء : الأمراض .