الحاج حسين الشاكري
173
موسوعة المصطفى والعترة ( ع )
لتلك الهجمات الشرسة التي توجّهها السلطة لتمحو أثرها من الوجود ، سواءً كانت في المدينة المنوّرة أو في مكّة المكرّمة في بادئ الأمر أو في الكوفة بعدما جلب المنصور الإمام ( عليه السلام ) من المدينة ، وفرض عليه شبه الإقامة الجبرية في الكوفة . وقد تحمّلت هذه المدرسة بطش الجبابرة وعسف الظالمين لكنّها أدّت رسالتها بكلّ جدارة وقدرة ، وكان من نتاجها تخرّج فطاحل العلماء وحملة الحديث على الإمامين الصادقين ( عليهما السلام ) والذين أغدقوا على الأُمّة وعلى الأجيال الصاعدة الخير والبركة ، وطفحت بشتّى العلوم والحكمة والمعرفة ، وجعلهم الدعاة البارزين لمحاربة أهل الأهواء والبدع والضلال والمذاهب المنحرفة عن خطّ أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ويدعوهم إلى المُثل العليا في الإسلام ، والأخلاق الفاضلة والغايات السامية والأهداف الكريمة لتطبيق أحكام شريعة السماء على جميع الأُمّة وطبقاتها . أمّا تأريخ مدرسة الإمام الصادق ونشوئها ، فقد كان أسبق من كلّ المدارس الإسلامية ، إذ لم يكن الإمام الصادق ( عليه السلام ) هو الذي وضع الحجر الأساسي لها ، بل كان الواضع لحجرها والغارس لشجرها رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فقد وضع منهاجاً ونظاماً رائعاً ، وحثّ الأُمّة على الانتهاء إليها ، وقرن العترة بكتاب اللّه العزيز وبعترته الطاهرة ، بقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إنّي مخلّف فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً " ( 1 ) . كما صرّح ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في كثير من مواقفه وتعاليمه بلزوم اتّباع منهج أهل البيت والأخذ عنهم ، وإنّهم سفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق . فالمدرسة إذاً كانت نشأتها في عهد صاحب الرسالة ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وكان رئيسها الأوّل الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) باب علم مدينة الرسول وأمينه على سرّه ، وأقضى الأُمّة وأعلمهم بعده ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهو نفس الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الذي
--> ( 1 ) الاحتجاج : 450 ، طبعة قم . إرشاد المفيد 1 : 176 .