أحمد بن محمد بن سلمة الأزدي الحجري المصري الطحاوي
212
شرح معاني الآثار
قال أبو جعفر فذهب قوم إلى أن الخمر من التمر والعنب جميعا واحتجوا في ذلك بهذا الحديث وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا الخمر المحرمة في كتاب الله تعالى هي الخمر التي من عصير العنب إذا نش العصير وألقى بالزبد هكذا كان أبو حنيفة رحمه الله يقول وقال أبو يوسف رحمه الله إذا نش وإن لم يلق بالزبد فقد صار خمرا وليس الحديث الذي رويناه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أول هذا الباب بخلاف ذلك عندنا لأنه يحتمل أن يكون أراد بقوله الخمر من هاتين الشجرتين إحداهما فعمهما بالخطاب وأراد إحداهما دون الأخرى كما قال الله عز وجل يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان وإنما يخرج من أحدهما وكما قال يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم والرسل من الانس لا من الجن وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت إذ أخذ على أصحابه في البيعة كما أخذ على النساء أن لا تشركوا ولا تسرقوا ولا تزنوا ثم قال من أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له حدثنا بذلك يونس قال ثنا سفيان عن الزهري عن أبي إدريس عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد علمنا من أشرك فعوقب بشركه فليس ذلك بكفارة فدل ما ذكرنا أنه إنما أراد ما سوى الشرك مما ذر في هذا الحديث فلما كانت هذه الأشياء قد جاءت ظاهرها على الجمع وباطنها على خاص من ذلك احتمل أيضا أن يكون قوله الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة ظاهر ذلك عليهما وباطنه على أحدهما فيكون الخمر المقصود في ذلك من العنبة لا من النخلة ويحتمل أيضا قوله الخمر من هاتين الشجرتين أن يكون عني به الشجرتين جميعا ويكون ما خمر من ثمرهما خمرا كما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد فيما ينفع من الزبيب والتمر فجعلوه خمرا ويحتمل قوله الخمر من هاتين الشجرتين أن يكون أراد الخمر منهما وإن كانت مختلفة على أنها من العنب ما قد علمناه من الخمر وعلى أنها من التمر ما يسكر فيكون خمر العنب هي عين العصير إذا اشتد وخمر التمر هو المقدار من نبيذ التمر الذي يسكر فلما احتمل هذا الحديث هذه الوجوه التي ذكرنا لم يكن أحدها بأولى من بقيتها ولم يكن لمتأول أن يتأوله على أحدهما إلا كان لخصمه أن يتأوله على ذلك