الحطاب الرعيني

73

مواهب الجليل

هذا القاضي فيما يمر به من نوازل الاحكام التي لا نص عنده فيها من قول مالك أو قول بعض أصحابه التي قد بانت له صحة ، أن لا يقضي فيها إلا بفتوى من يسوغ له الاجتهاد ويعرف وجه القياس إن وجده في بلده وإلا طلبه في غير بلده ، فإن قضى فيه برأيه ولا رأي له أو برأي من لا رأي له كان حكمه موقوفا على النظر ، ويأمر الامام القاضي إذا لم يكن من أهل الاجتهاد ولا كان في بلده من يسوغ له الاجتهاد لا يقضي فيما سبيله الاجتهاد إلا بعد مشورة من يسوغ له الاجتهاد انتهى . وسيأتي كلامه على الطائفة التي أحال عليها في الكلام على المفتي . وقال ابن الحاجب : فإن لم يوجد مجتهد فمقلد فيلزمه المصير إلى قول مقلده ، وقيل لا يلزمه ، وقيل لا يجوز له إلا باجتهاده . قال ابن عبد السلام : يعني إن ولي مقلد لعدم المجتهد فهل يلزمه الاقتصار على قول إمامه أو لا يلزمه ذلك والأصل عدم اللزوم وهو الأقرب إلى عادة المتقدمين ، فإنهم ما كانوا يحجرون على العوام اتباع عالم واحد ولا يأمرون من سأل أحدهم عن مسألة أن لا يسأل غيره لكن الأولى عندي في حق القاضي لزوم طريقة واحدة ، وأنه إذا قلد إماما لا يعدل عنه لغيره لان ذلك يؤدي إلى اتهامه بالميل مع أحد الخصمين ، ولما جاء من النهي عن الحكم في قضية بحكمين مختلفين انتهى . قال ابن عرفة إثر نقله له . قلت : حمله كلام المؤلف على أن في لزوم المقلد اتباع قول إمامه وجواز انتقاله عنه إلى قول غيره قولين فيه نظر ، لان القولين على هذا الوجه ليسا بموجودين في المذهب فيما أدركت ، والصواب تفسير القولين بما قدمناه من قول ابن العربي بنص قول مقلده فإن قاس عليه أو قال يجئ من كذا فهو متعد ، وبقول التونسي واللخمي وابن رشد والباجي وأكثر الشيوخ بالتخريج من قول مالك وابن القاسم وغيرهما حسبما قدمناه عنهم انتهى . بل في نظره نظر ، ولا أرجحية لحمله لان القولين اللذين فسر ابن عبد السلام بهما كلام ابن الحاجب موجودان . أما الأول فبقول ابن العربي يحكم بفتوى مقلده بنص النازلة ، والثاني حكاه في الجواهر عن الطرطوشي ونصه : ولا يلزم أحدا من المسلمين أن يقلد في النوازل والاحكام من يعتزى إلى مذهبه ، فمن كان مالكيا لم يلزمه المصير في أحكامه إلى قول مالك ، وهكذا القول في سائر المذاهب ، بل أينما أداه اجتهاده من الاحكام صار إليه . فإن شرط على القاضي أن يحكم بمذهب إمام معين فالعقد صحيح والشرط باطل ، كان موافقا لمذهب المشترط أو مخالفا له . انتهى من التوضيح . وانظر هذا مع ما نقله ابن فرحون في تبصرته في الباب الرابع من القسم الأول ، فإنه نقل عن الطرطوشي أن العقد باطل والشرط باطل . انتهى فتأمله . ثم قال ابن عبد السلام ، وقوله وقيل لا يجوز إلا باجتهاده يعني أنه لا يجوز تولية المقلد البتة ، ويرى هذا القائل أن رتبة الاجتهاد موجودة لزمن انقطاع العلم كما أخبر به ( ص ) وإلا كانت الأمة مجتمعة على الخطأ . قال ابن عرفة : حمله على عدم تولية المقلد . مطلقا هو ظاهر لفظه ، وقبوله إياه يقتضي وجوده في المذهب