الحطاب الرعيني
74
مواهب الجليل
ولا أعرفه في المذهب إلا ما حكاه المازري عن الباجي في تعليله منع تولية قاضيين لا ينفذ حكم أحدهما دون الآخر ، فإن ذلك يوجب التعطيل لان غالب المجتهدين الخلاف والمقلدان توليتهما ممنوعة . كذا نقل المازري عن الباجي ولم أجده له في المنتقى ولا في كتاب ابن زرقون انتهى . ثم ذكر ما نقلناه عنه أولا وهو قوله وما أشار إليه من يسر الاجتهاد إلى آخره . ثم قال : والأظهر تفسير كلام ابن الحاجب بجعل الضمير المخفوض في قوله باجتهاده عائدا على مقلده بفتح اللام ، ومعناه أنه يجوز للقاضي المقلد لمالك مثلا في المسألة التي لا نص فيها أن يجتهد فيها باجتهاد إمامه أي بقواعده المعروفة له في طرق الاحكام الكلية . كقاعدته في تقديم عمل أهل المدينة على خبر الواحد العدل وعلى القياس ، وكقوله بسد الذرائع إلى غير ذلك من قواعده المخصوصة به في أصول الفقه . ولا يجوز له أن يجتهد في القياس على قوله اجتهادا مطلقا من غير مراعاة قواعده الخاصة به ، فيتحصل من نقل ابن الحاجب في اجتهاد المقلد فيما لا نص لمقلده فيه ثلاثة أقوال : المنع مطلقا وهو نص ابن العربي وهو ظاهر ما تقدم من نقل الباجي ولا يفتي إلا من هذه صفته إلا أن يخبر بشئ سمعه . والثاني جواز القياس مطلقا من غير مراعاة قواعده الخاصة به وهو قول اللخمي وفعله ، ولذا قال عياض في مداركه اختيارات له خرج بكثير منها عن المذهب . الثالث : جواز اجتهاده بعد مراعاة قواعد إمامه الخاصة به ، وهذا هو مسلك ابن رشد والمازري والتونسي وأكثر الإفريقيين الأندلسيين . وأما الملازمة في قوله وإلا كانت الأمة مجتمعة على الخطأ ففي صدقها نظر لان تقديرها إن خلا الزمان عن مجتهد اجتمعت الأمة على الخطأ وهذه مصادرة ، لأنه لا يلزم كونها مخطئة إلا إذا ثبت عدم الاكتفاء بالتقليد ، وأما إذا كان جائزا فلا ، والمسألة مشهورة في أصول الفقه . قال ابن الحاجب : يجوز خلو الزمان عن مجتهد خلافا للحنابلة . زاد الآمدي وغيره : وجوزه آخرون وهو المختار انتهى . وقال المشذالي في حاشيته : ولا خلاف بين المحققين أن القاضي في هذا الزمان مفتقر إلى حفظ واسع واطلاع بارع وإدراك جيد نافع وخصوصا المدونة فإن فيها أزمة وافرة فيما يرجع إلى اقتناص الاحكام ، ومن كتب الاحكام المتيطية فإن فيها جملة صالحة والتوفيق بيد الله . الثاني : وأما شرط الفتوى فقال ابن سلمون في وثائقه : سئل ابن رشد في الفتوى وصفة المفتي فقال : الذي أقول به في ذلك أن الجماعة التي تنسب إلى العلوم وتتميز عن جملة العوام بالمحفوظ والمفهوم تنقسم على ثلاث طوائف : طائفة منهم اعتقدت صحة مذهب مالك تقليدا بغير دليل فأخذت أنفسها بحفظ مجرد أقواله وأقوال أصحابه في مسائل الفقه دون التفقه في معانيها بتمييز الصيح منها والسقيم . وطائفة اعتقدت صحة مذهبه بما بان لها من صحة أصوله التي بناه عليها فأخذت أنفسها بحفظ مجرد أقواله وأقوال أصحابه في مسائل الفقه وتفقهت