الشيخ الأنصاري
92
مطارح الأنظار
الشيء يستلزم إيجاب مقدماته بديهة وقال المحقق الطوسي في محكي نقد المحصّل ما لا يتم الواجب إلَّا به وكان مقدورا على المكلف كان واجبا عليه فإن الذي كلف الإتيان به كلف به كيفما كان فإن الاقتصار في التعليل على ما ذكره يشعر بأنه كاف في التصديق بما ذكره وقال المحقق الخوانساري بعد دعوى الضرورة والوجدان ولا أظنك في مرية من هذا بعد تصور تعلق الخطاب الإيجابي والإرادة الحتمية بشيء وتصور تعلقهما بما يتوقف على ذلك الشيء ولا يحصل بدونه تصورا مجردا عن العوارض وكيف يتصور من عاقل المنع من ترك شيء وعدم الرخصة فيه مع تجويز ترك مقدمته التي يستلزم تركها تركه والرخصة والإنصاف أن هؤلاء الأفاضل لقد أجادوا فيما أفادوا في الغاية إلا أن الأخير منهم قال في معنى الوجوب المذكور ولا يخفى عليك أن ما ذكرنا من تعلق الخطاب والطلب تبعا بمقدمة المأمور به ليس من جهة كونها موقوفا عليها للمأمور به بل هو أعم من استلزام الفعل المأمور به حتى أن هذا المعنى ثابت أيضا بالنسبة إلى لوازم المأمور به الذي يكون وجودها تبعا لوجود المأمور به لا مقدما عليه كما يحكم به الوجدان قلت لا إشكال في صحة انتساب الوجوب إلى اللوازم بنوع من العناية والمسامحة من قبيل إسناد الشيء إلى غير من هو له كقولك زيد حسن خادمه فإن أراد أن الطلب الحاصل في المقدمات هو من هذا القبيل فيكون ثبوت الوجوب وتعلقه بالمطلوب الذاتي واسطة في عروض الطلب وصحة انتسابه إليه مجازا فهو ليس في محله لما تقدم أن الوجوب الثابت للمقدمة أنما هو معنى آخر فوق ذلك المعنى وإن أراد أن المعنى الثابت في المقدمة أنما هو ثابت في اللوازم التابعة للمأمور به وإن لم يتوقف عليها نظرا إلى مجرد استلزام تركها تركه كما يظهر من استدلاله على ذلك فيما تقدم ففيه أن الذي نجده من أنفسنا أن مدار ثبوت هذا المعنى من الوجوب هو التوقف والتقدم لا مجرد استلزام الترك للترك كما لا يخفى على المتأمل ومع ذلك فالمهم فهمنا لاحتمال أن يكون الفرق الذي نجده في أنفسنا بينهما باعتبار شدة تلك الحالة وضعفها في المقامين إلا أنه بعيد غاية بعد فرض اتحاد المناط وهذا تمام الكلام في احتجاج القائلين بالوجوب وربما يستندون إلى وجوه أخر كلها فريضة لا حاجة إلى ذكرها وذكر ما فيها ومما ذكرنا في تضعيف أدلة القول بالوجوب يظهر وجه القول بعدم الوجوب مطلقا إذ بعد إبطال الوجوه التي يمكن إقامتها على المطلوب لا يحتاج النافي إلى استكشاف مطلوبه عن دليل ومع ذلك فقد استندوا إلى وجوه سخيفة ولا ينبغي التعرض لها ولإبطالها وا لله الهادي هداية في ذكر احتجاج المفصّل بين السبب وغيره وقد مر الكلام في المراد من السبب فيما تقدم وأنه لم يظهر لنا وجه في المراد منه بعد عدم إرادة العلة التامة منه إذ لا يعقل أن تكون واجبة لاشتمالها على أمور غير اختيارية خارجة عن مقدرة المكلف ويحتمل أن يراد به ما عدا غير المقدور من أجزاء العلة التامة الذي يعدّ في العادة سببا وكيف كان فالمنقول من احتجاجهم وجوه أما الوجوب في السبب فلإجماعات نقلها الآمدي والتفتازاني وغيرهما في خصوص السبب ولأن وجود المسبب عند وجود السبب ضروري وعند عدمه ممتنع فلا يمكن تعلق التكليف به لكونه غير مقدور ولأن التوصل إلى الواجب واجب إجماعا وليس ذلك في الشرط لما سيأتي فتعين السبب ولأن الطلب أنما يتعلق بفعل المكلف من الحركات الإرادية الصادرة عنه التابعة لتحريك القوة المنبعثة في العضلات وأما الأمور التابعة لتلك الحركات المعلولة لها فليست فعلا للمكلف بل فعل المكلف يستتبع لها استتباع العلل للمعلولات إذ استتباع الأشياء للأمور المقارنة اقترانا عاديا فلا يمكن تعلق التكليف بها وأما عدم الوجوب في غيره فللأدلة التي اعتمد عليها النافي مثل عدم الدليل على الوجوب وعدم دلالة الأمر عليه بوجه من وجوه الدلالة وبخلوّ الخطب والمواعظ والأخبار عنه مع أنه مما توفرت الدواعي إلى نقله فلو كان واجبا كان منقولا إلينا وغير ذلك من الوجوه التي لا يخفى ضعفها على المتدرب والجواب أما عن دليل الوجوب فعن الأول بأن الإجماع على وجوب السبب خاصة وإن أريد به النفي عن غيره فتحققه ممنوع سواء أريد إجماع العقلاء أو العلماء والمنقول منه لا يجدي شيئا ولا يورث وهما وإن أريد به أن مورد إجماع العقلاء أنما هو السبب فقط وأما في غيره فيحتمل اختلافهم فيه كما هو مراد المستدل حيث إنه استدل للنفي بوجه آخر ففيه أن الإنصاف بحسب ما نجده من الوجدان عموم مورده في حكم العقلاء لأنا لا نجد بعد اشتراكهما في توقف الواجب عليها فرقا يوجب وجوبه دون غيره كما عرفت دعوى الضرورة على ذلك في كلام المحقق الدواني وبذلك ينقطع ما استند إليه في النفي عن غير السبب من عدم الدليل وعدم الدلالة فيما إذا كان الدليل على وجوب ذي المقدمة لفظيا بوجه من وجوه الدلالة كالتبعية ممنوع وخلو الخطب والمواعظ لا يضر في ذلك لجواز الاتكال على ما يقتضيه العقل مضافا إلى إمكان استفادة ذلك من وجوه لفظية ولو بوجه من الإيماء والإشعار مثل قوله تعالى لا تسبوا الذين الآية وغير ذلك مما لا يخفى على الخبير الماهر وبذلك يتم اللطف أيضا وعن الثاني بأن وجوب الفعل كامتناعه بعد وجود علته وعدمها لا ينافي التكليف به وإلا لزم سقوط التكليف عن رأس لأن المفروض أن المقدمة السببية أيضا من الأفعال الاختيارية التي لا بد من انتهائها إلى غيرها من الأمور الخارجة عن القدرة التي يمتنع تعلق التكليف بها اتفاقا وعن الثالث بما مر في تضعيف حجة النفي وعن الرابع فبأن ما ذكره أنما يتم فيما إذا كان المسبب الذي تعلق به الأمر من غير مقولة الحركة والفعل كأن يكون من مقولة الكيف أو غيره كالأمر بالعلم فيما إذا لم نقل بكونه من مقولة الفعل فإن قولك اعلم بناء على ذلك لا بد وأن يكون المطلوب النفسي في ذلك الأمر هو التحصيل والنظر وأما إذا كان المسبب من مقولة الحركة والفعل كتحريك المفتاح المسبب عن تحريك