الشيخ الأنصاري
93
مطارح الأنظار
وإن لم يكن وجود المسبب مغايرا لوجود السبب في الخارج فلا وجه للمنع عن تعلق التكليف به لكونه فعلا من أفعال المكلف وأما كونه تابعا لفعله الآخر فلا ينافي تعلق التكليف به كما عرفت في الجواب عن الثاني وتوضيحه أن الأمور التوليدية التي يتولد من فعل المكلف تارة يكون من مقولة الفعل والحركة الصادرة عنه سواء كان اختلافهما بمجرد العنوان مع اتحاد الموجود منهما في الخارج كالإحراق الحاصل بالإلقاء في النار وكتحريك المفتاح الحاصل بتحريك اليد أو كان الموجود منهما أيضا متعددا كحركة المفتاح وحركة اليد بناء على أن تلك الحركة القائمة بالمفتاح صادرة عن الفاعل أيضا كما لا يخفى وأخرى يكون من غير مقولة الفعل والحركة كالعلم الحاصل بالنظر والتحصيل الذي هو من مقولة الفعل والحركة فعلى الأول لا مانع من تعلق التكليف بعنوان المولود من فعله الآخر سواء كان متحدا مع عنوان المولد أو مغايرا أمّا الثاني فظاهر وأما الأول فلأن مدار التكليف وصحته على القدرة على ذات الفعل بالعنوان الذي تعلق به الأمر والمفروض كون الذات مقدورة وإلا لم يصح التكليف بالسبب أيضا لاتحاد الذات فيهما وكونها معنونة بعنوان المسبب كالإحراق مثلا لا تأثير له في الامتناع إلا من حيث توهم وجوب وجود المسبب مع وجود السّبب سيّما إذا كان الذات فيهما متحدة وقد عرفت الجواب عن ذلك فيما تقدم وعلى الثاني فلا يعقل أن يكون العنوان المولَّد من الفعل موردا للتكليف والأمر ضرورة توقف صحته على أن يكون المأمور به فعلا من المأمور وأما إذا لم يكن فعلا له فلا وجه لأمر والطلب إلا أن يكون المأمور به حقيقة والمطلوب النفسي هو عنوان السبب ويكون المسبّب الحاصل به داعيا إلى الأمر به ولا ينافي ذلك وجوبه النفسي كما تقدم في تحديده إذ المطلوب النفسي غير منحصر فيما هو غاية الغايات فإن قلت الأمر بالعلم لا بد وأن يكون مجازا على ما ذكرت وهو بعيد في الغاية قلت لا نسلم ذلك فإن قولك اعلم يشتمل على مادة وهيئة والهيئة تدل على طلب إيجاد العلم الذي هو المادة وهو بعينه مفاد قولك حصل العلم فلا مجاز فيه نعم لو كان المتعلق للطلب من مقولة الفعل كالضرب مثلا فإن لوحظ من حيث إنه فعل ومصدر لا حاجة إلى تقدير الإيجاد في متعلق الطلب فيقال إن مدلول الهيئة في قولك اضرب طلب الضرب إذ الإيجاد مأخوذ في المتعلق وهو الفعل والمصدر وإن لوحظ من حيث إنه حاصل بالفعل والمصدر كأن يكون اسم مصدر فيحتاج إلى التعبير بالإيجاد وتقديره في متعلق الطلب وهو عبارة أخرى من وجوب تحصيل الضرب ولعل ما ذكرنا مراد القائل بأن الأمر بالمسبب عين الأمر بالسبب وإلا فهو بظاهره فاسد جدّا إلا أنه مع ذلك ليس قولا بالتفصيل في المقدمات السببية وغيرها بل هو قول برجوع الأمر النفسي إلى بعض الأسباب لعدم قابلية المسبب للأمر لا لأنه بعد حصول السبب خارج عن القدرة بل بواسطة أنه ليس فعلا حتى يتعلق به التكليف وبمثل ما ذكرنا تقدر على إرجاع الأمر المتعلق بالمسبب لا الأمر بالسبب فيما إذا كان الذات متحدة من دون لزوم تجوز فإن قولك أحرق عبارة عن طلب إيجاد الحرق وتحصيله في الخارج عين الإلقاء في النار فلا مجاز في اللفظ مع أن المأمور به في الواقع هو الإلقاء ولا يجري ذلك بالنسبة إلى الشروط فإن الأمر بالصعود على السطح لا يرتبط بنصب السلم بل كان من النصب والصعود من الأفعال الصادرة من الفاعل على وجه المباشرة وأما بالنسبة إلى الأسباب التي تغاير المسببات في الخارج ويكون المسببات أيضا من الأفعال فلا داعي إلى التزامه وإن كان له وجه صحة كما عرفت في قولك اضرب إذ يمكن تجريد المادة عن الإيجاد بجعلها حاصل المصدر فيكون مدلول الهيئة طلب الإيجاد وهو يرادف الأمر بالسبب في اللب إلا أن الظاهر من الفعل المتعلق للأمر هو كونه مصدرا فلا حاجة فيه إلى الإيجاد وعلى تقديره يجب إبقاء الأمر على ظاهره لجواز تعلق التكليف بالمسببات لأن الإيجاب بالاختيار لا ينافي الاختيار والمسبب أيضا فعل لا مانع من تعلق التكليف به فإن قلت إن ما ذكر موجود بعينه في الأسباب المتحدة كالإحراق فإنه أيضا فعل ظاهر في كونه مصدرا قلت نعم ولكن الفرق من حيث إن الحرق ليس فعلا في الواقع بل هو من مقولة أخرى كما لا يخفى فإن قلت ما الوجه في اختلاف الموارد فتارة يحتاج إلى تقدير الإيجاد وأخرى لا يحتاج قلت لما كان تعلق الطلب بغير الفعل محالا فاحتاج أن يكون متعلقة فعلا فإن كان فهو وإلا فبدلالة الاقتضاء يجب تقديره واختلاف الموارد في كون بعضها فعلا دون الآخر هو الوجه في ذلك وا لله الهادي هداية في ذكر احتجاج المفصل بين الشروط الشرعية وبين غيرها في الوجوب في الأول وبعدمه في الثاني كما هو المحكي عن الحاجبي فاستدل على الوجوب في الشرط بأنه لو لم يكن واجبا لم يكن شرطا والتالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فلأنه لو لم يجب لجاز تركه وحينئذ فإما أن يكون الآتي بالمشروط من دون الشرط آتيا بتمام المأمور به أو لا والتالي باطل إذ المفروض أنه لم يتعلق أمر بالشرط وانحصار الأمر بالمشروط فيجب الالتزام بالأول ولازمه عدم توقفه على الشرط مع أنه شرط وهو المراد باللازم وأما بطلان التالي فلأنه خلف وعلى عدم الوجوب في غيره بما مر في أدلة النافين والجواب عنه أولا أن المحذور مشترك الورود لإمكان أن يقال إنه لو عصى بالترك على تقدير وجوبه إما أن يكون آتيا بالمأمور به أو لا لا سبيل إلى الثاني لأن لوجوب الشرط ليس مدخل في الإتيان بحقيقة المشروط وعدمه إذ المفروض خروجه عن المشروط على الوجهين فتعين الأول وهو المراد باللازم قولك إذ المفروض أنه لم يتعلق أمر بالشرط لانحصار الأمر بالمشروط قلنا قد عرفت أن الوجوب لا يؤثر في دخول شيء في شيء وخروجه عنه غاية الأمر أنه على تقدير تعلق الأمر يكون هو موردا للأمر من غير دلالة على أمر زائد عليه كما لا يخفى وثانيا أنه قد تقدم أن الشرط الشرعي في معنى الشرط العقلي وبيانه إجمالا هو أن حقيقة الصلاة واقعا مما لا يحصل في الواقع إلَّا بعد