الشيخ الأنصاري
91
مطارح الأنظار
التي بها أراد إثبات الوجوب هي ملاحظة عدم معقولية القول بالاستحباب إذ لا يعقل أن يكون الرجحان الناشئ من المطلوبية المتعلقة بذيها مرتبة أخرى من مراتب الرجحان لما هو المقرر من أن الأثر من مقولة المؤثر مضافا إلى أن القول بالاستحباب لم ينقل عنهم أيضا وفيه أولا أنه إن أريد من الإلزام المأخوذ في الدليل على وجه التسليم اللابدية العقلية التي إليها يرجع معنى المقدمية فلا نسلم أنه يستتبع أجرا وثوابا على فرض ترتب الثواب على الواجب الغيري مع أنك قد عرفت تحقيق القول فيه بما لا مزيد عليه وإن أريد به الإلزام التكليفي فبعد أنه مصادرة قطعا لا يحتاج في إتمام المطلوب إلى ضم باقي المقدمات كما هو ظاهر وثانيا أن المقدمة المذكورة في مقام إثبات التكليف وإن ذكرها بعض العدلية ولكنها غير خالية عن منع وإنما يسلم بشرط أن لا يعود النفع الحاصل من الفعل إلى المكلف وعلى تقدير وصول نفعه إلى المكلف لا دليل عقلا ولا نقلا على قبح التكليف به والإلزام بالمقدمة غير محتاج إلى نفع أزيد مما يترتب على ذيها بل يكفي في الإلزام بها ملاحظة ما يترتب على نفس الفعل وهو الوصول إلى الواجب التاسع ما استند إليه الفاضل المذكور من أن المولى إذا أمر عبده بالصعود على السطح في ساعة معينة فأخذ العبد في هدم البناء يذمه العقلاء ويعيرونه وهذا علامة الإيجاب ثم أورد على نفسه بقوله الذم على الهدم ليس بذاته بل لكونه موصلا إلى ترك الصعود وأجاب عنه بأنه إذا ثبت الذم على الهدم ثبت إيجاب نقيضه وأما كون الذم معللا باتصافه بصفة الإيصال إلى شيء مّا فلا يقدح في ذلك كما لا يخفى انتهى والجواب على ذلك أن الذم أنما هو على إيجاده بسبب الترك وهو ليس أمرا مغايرا للذم على نفس الترك غاية الأمر أن يقال إن الذم إنما يترتب الترك قبل زمان الفعل ولا ضير فيه لما تقدم من أن الترك على قسمين ترك حقيقي وترك حكمي والثاني في المقام متحقق وإن لم يكن الأول صادقا ولو فرض أن الهدم في زمان الأمر بالصعود فالأمر أوضح العاشر ما استدل به الفاضل أيضا في الصورة المفروضة من أن العاقل الخالص عن الأغراض ينهى عن الهدم المذكور إلزاما والنهي الإلزامي عن العاقل الخالص عن دواعي الشهوة لا يكون إلا لداعي الحكمة فلا يكون إلا لقبح الشيء في نفسه كما تقرر في غير هذا المقام فيكون الهدم المذكور قبيحا ويكون نقيضه واجبا وفيه إن أراد إثبات الوجوب النفسي للمقدمة فهو مما لا ينبغي أن يصغى إليه والمذكور في الاستدلال لا ينهض بإثباته لأن النهي المذكور في الحقيقة عن ترك الصعود الذي هو المأمور به في حد ذاته وإن أراد إثبات الوجوب الغيري بالمعنى الأعم من الإرشادي والإلزامي فمسلم لكنه لا يجدي نفعا وإن أراد خصوص الإلزامي فللمانع أن يمنع عن ذلك إلا أن الإنصاف هو ثبوته بحسب الوجدان فلا وجه للمنع المذكور لكن ظاهر الاستدلال ينافي ذلك كما هو ظاهر الحادي عشر ما حكي عنه أيضا من أن إيجاب السبب يستلزم إيجاب السبب ويلزم من ذلك أن يكون إيجاب المشروط مستلزما لإيجاب الشرط لأن ترك الواجب قبيح وترك الشرط مستلزم لترك الواجب والسبب المستلزم للقبيح قبيح والظاهر أنه أراد بذلك دفع التفصيل بين الشرط والسبب وإلا فكيف الاستدلال بمثل ذلك في قبال من لا يرى وجوب السبب أيضا على أن الكلام في أن ما يستلزم هل هو قبيح أم لا فالاستدلال المذكور ساقط عن أصله لكونه مصادرة الثاني عشر ما نسب إليه أيضا وهو أن من تأمل في القواعد العلمية ومارس المصالح الحكمية وجرّب التدبيرات الكلية وعرف مجاري أحكام العقلاء وحكمهم وعرف أن ما يجب رعايته والأمر به والإلزام به قد يكون مطلوبا بالذات وقد يكون بالعرض من حيث إنه نافع في حصول الغرض الأصلي والمطلوب الذاتي فمن أراد تدبير بلد أو عسكر كما أنه يأمر بالأمور النافعة لهم ونهى عن الأمور المضارّة لهم كذلك يأمر بالأمور المؤدية إلى خيراتها ومعداتها وشرائطها والطرق الموصل إليها ونهى عن الأمور المستلزمة لمضارهم والمستلزمة لإخلال مصالحهم المؤدية إليه ويريد ويكره على نسبة واحدة وأي مصلحة للشيء من توقف المصلحة الذاتية عليه ولما كانت المصالح مستلزمة للتكاليف الشرعية كما أن التكاليف الشرعية مستلزمة للتكاليف العقلية عند العدلية كما ثبت في محله يلزم وجوب مقدمة الواجب انتهى بأدنى اختصار وفيه أن المراد من المصلحة إن أريد بها على نحو ما هي ثابتة في المطلوب الذاتي كما أشعر به قوله ويريد ويكره على نسبة واحدة فمجال المنع فيه واسع بل العقل يقضي بخلافه صريحا وإن أريد بها المصلحة الغيرية التي تترشح عن المصلحة الذاتية فإن أريد أن تلك المصلحة يستلزم التكليف بذيها فعلا فهو أيضا ممنوع وإن أريد أن تلك المصلحة على وجه يصح معها الأمر بالمقدمة فيما لو كان هناك ما يقضي بإظهار الأمر على وجه التفصيل فهو حق لا مناص عنه كما عرفت مما تقدم وبما ذكرنا يظهر أن ما يشاهد من تعلق الأمر الفعلي التفصيلي أحيانا ببعض المقدمات ليس من جهة وصف المقدمية والمصلحة الغيرية فإنها بنفسها لا تقتضي أمرا على وجه التفصيل بل تحتاج إلى نكتة خارجة كالخوف عن غفلة المأمور عنها وخفائها ونحو ذلك بل الذي يقتضيه تلك المصلحة تعلق حالة طلبية بسيطة ناشئة من تعلق الطلب بالمطلوب الذاتي وهو كاف في ثبوتها ويتفصل تلك الحالة الإجمالية بالأوامر المفصّلة التي يقتضيها النكات الخارجية كما عرفت في تقرير الدليل المختار على ما صرنا إليه من الوجوب وهو كاف في الحكم بوجوب المقدمة كما عليه بناء الفقهاء في الكتب الاستدلالية الفقهية وغيرها من غير فرق بين أقسامها من الشرعية والعادية كتحصيل الماء وظاهر أن مرادهم ليس مجرد الاشتراط لثبوته في مقدمات غير الواجب أيضا بل الإنصاف أن ذلك من الأحكام الضرورية كما أذعن به المحقق الدواني قال في شرح العقائد معترضا على المحقق الشريف حيث خص الوجوب بالمقدمة المسببية قلت لا فرق بين السبب المستلزم وغيره فإن إيجاب