الشيخ الأنصاري

88

مطارح الأنظار

على تقدير الشرط انتهى قلت التحقيق في ذلك هو ما قدمنا من أن الإمكان الذاتي أو الوقوعي أنما هو بالنسبة إلى الآن الثاني من زمان العدم حيث إنه يمكن انقلاب الوصف المأخوذ في الموضوع في المشروطة ما دام الوصف إلى نقيضه ومنه تكليف الكفار بالفروع وليس ذلك من محل الكلام بوجه فليتأمل في فساد المذكورات جميعا ثم إنه رحمه الله أطال في النقض والإبرام ومن أراد الاستطلاع فليراجع رسالته المعمولة في رد المحقق المذكور ونحن نقول إن الإنصاف أن الدليل المذكور مما لا يتم بوجه أما أولا فنختار أنه يستحق العقاب في زمان ترك المقدمة قولك إن المكلف لم يفعل قبيحا كما هو المفروض قلنا قد عرفت فيما سبق أن طريقة الإطاعة والعصيان مأخوذة من طريقة العقلاء ولا ضير في عقاب العبد التارك للمشي حال الترك وإن لم يكن زمان الفعل حاضرا أما باعتبار صدق الترك بالنسبة إلى الفعل حقيقة وإن لم يكن زمانه حاضرا نظرا إلى أن للوقت مدخلا في حصول الفعل لا في صدق الترك إذ ترك الواجب عبارة عن عدم اقتدار المكلف على الفعل المتروك إما بانقضاء وقته أو بغير ذلك والمفروض أن المكلف بعد ترك المقدمة غير قادر على الفعل وإن كان فيه نظر قد نبهنا عليه فيما سبق وأما باعتبار ما هو المناط في صدق الترك من ارتفاع القدرة على الفعل حال حضور الوقت وتفويته التكليف بإيجاد سبب الترك لا يقال كيف يعقل استحقاقه العقاب ويحتمل حصول الفعل بعد ترك المقدمة بالسعي إليه ولو خرقا للعادة لأنا نقول ذلك خارج عن مفروض الكلام فإن محل البحث فيما إذا حصل الامتناع وعند حصول المقدمة على الوجه المزبور يكشف عن أن المشي مع القافلة لم يكن مقدمة معينة يوجب تركها الامتناع وهذا ظاهر فإن قلت ما ذكرت من استحقاق العقاب عند ترك المقدمة بواسطة إيجاده سبب الترك بعينه هو القول بوجوب المقدمة فيستقيم الاستدلال ولا ينهض ما ذكرته بدفعه قلنا كلا لأن المبحوث عنه في المقام هو إثبات تعلق الطلب والإرادة ولو على وجه الإجمال على ما عرفت في تحرير محل الخلاف بالمقدمة وما ذكر في الجواب لا ينهض به قطعا إذ غاية ذلك تسليم ترتب العقاب المترتب على ترك الفعل عند ترك المقدمة وأين ذلك من تعلق الطلب والإرادة بالمقدمة كيف ولو كان المذكور كافيا في المقام لم يكن حاجة إلى تمهيد المقدمات المذكورة إذ لا يخفى على أوائل العقول أن ترك المقدمة يوجب ترك الواجب وهو قبيح وبعد لم يثبت أن ما يوجب تركه قبيحا لا بد أن يكون فعله مطلوبا فإن ذلك في مرتبة المدعى على ما هو ظاهر وثانيا نختار أن التارك للمقدمة محكوم باستحقاقه العقاب في زمان الحج قولك إن فعل الحج هناك غير مقدور له فلا يتصف تركه بالقبح قلنا إن أريد من حضور زمان الحج قبل انقضاء وقته فهذا هو المذكور في الشق الأول وإن أريد بعد انقضاء وقته فلا ريب في صدق ترك الواجب في حقه وأي قبيح أعظم من ترك الواجب مع الاقتدار عليه ففي كل آن يلاحظ إما أن يكون وقت الفعل منقضيا أو باقيا ولو بالنسبة إلى الأجزاء كما لا يخفى وعلى التقديرين لا غبار في العقاب كما عرفت ولو سلم فلا نسلم أن ذلك الامتناع الحاصل في الفعل بواسطة اختيار المكلف حال الاقتدار عليه عدم الفعل يوجب عدم اتصاف الفعل بالحسن والقبح وإن قلنا بقبح التكليف الفعلي بذلك لكنه لا يوجب رفع العقاب عليه وقد مرّ تحقيق ذلك في كلام المحقق الخوانساري وأما ما ذكره أخيرا من حديث النوم فهو مما لا يشبه كلام ذلك المحقق فإن عدم اتصاف فعل النائم بالحسن والقبح إنما هو فيما إذا استند فعله إلى النوم مثل أن يكون ترك الصلاة مستندا إلى النوم فيما لم يكن مسبوقا بالأمر بها وأما إذا كان مستندا إلى فعل آخر له على وجه الاختيار وكان وقوع النوم منه وعدمه سيان في ترتب ذلك الفعل على ما فعله أولا فهو مما يتصف بالحسن والقبح بهما قطعا وذلك كمن رمى سهما ولم يقع في محله إلَّا بعد نوم الرامي مثلا فإن ذلك قطعا منسوب إليه ولو حال النوم والوجه في ذلك أن الفعل ليس من أفعال النائم حقيقة بل هو من أفعال المستيقظ الذي نام بعد صدور الفعل منه ولو بواسطة صدور أسبابه ومقتضياته والعمدة في ذلك هو إثبات اتصاف الأفعال التوليدية كالمباشرية بالحسن والقبح ولعله كذلك لترتب المدح والذم عليها كترتبهما على غيرها من غير فرق في ذلك ثم إن بعد التسليم عن الأمور المذكورة فلم يظهر لنا تأثير الوجوب في دفع المحاذير إلا بالقول بوجوب المقدمة وترتب العقاب عليه فقط دون وجوب ذيها وذلك من أشد القبيح كما لا يخفى إذ على تقدير الوجوب يلزم المحاذير حرفا بحرف كما عرفت في الدليل الثالث فتأمل السادس من الأدلة ما احتج به المحقق المذكور أيضا وهو أنه لو لم يجب مقدمة الواجب المطلق لزم أن لا يستحق تارك الفعل العقاب أصلا لكن التالي باطل فالمقدم مثله بيان الملازمة يحتاج إلى تمهيد مقدمة هي أن الآمر الطالب للشيء في زمان معين إذا لاحظ أن في ذلك الزمان يتصور أحوال مختلفة يمكن وقوع كل منهما فإما أن يريد الإتيان بذلك الشيء في ذلك الزمان على أي تقدير من تلك التقادير أو يريد الإتيان به فيه على بعض تلك التقادير وهذه المقدمة ظاهرة بعد التأمل التام وإن أمكن المناقشة والتشكيك في بادي النظر ولا ينتقض بالجزء والكل حيث لا يمكن تقييد وجوب الكل بوجود الجزء ولا يعمم وجوده بالنسبة إلى حالتي وجود الجزء وعدمه لأن مرادنا بالحالات ما كان مغايرا له وإذا تمهّد هذه فنقول إذا أمر أحد بالإتيان بالواجب في زمانه وفي ذلك الزمان يمكن وجود المقدمات ويمكن عدمها فإما أن يراد الإتيان به على أي تقدير من تقديري الوجود والعدم فيكون في قوة قولنا إن وجدت المقدمة فافعل وإن عدمت فافعل وإما أن يريد الإتيان به على تقدير الوجود والأول محال لأنه يستلزم التكليف بما لا يطاق فثبت الثاني فيكون وجوبه مقيدا بحضور المقدمة فلا يكون تاركه بترك المقدمة مستحقا للعقاب لفقدان شرط الوجوب والفرض عدم وجوب المقدمة فانتفي استحقاق