الشيخ الأنصاري
89
مطارح الأنظار
العقاب رأسا والجواب عن ذلك أما أولا فبأنه لم يعقل لنا الفرق في جريان الدليل بين القول بوجوب المقدمة والقول بعدم وجوبها إذ للمتعرض أن يقول إن الطالب لشيء على تقدير تعلق طلبه بمقدماته إما أن يريد ذلك الشيء على تقديري الوجود والعدم بالنسبة إلى الأمور المطلوبة الموقوف عليها أو على تقدير الوجود فقط فعلى الأول يلزم عدم العقاب على الواجب المطلق وعلى الثاني يلزم التكليف بالمحال لا يقال ما ذكر غير موجه على القول بالوجوب إذ الإرادة المتعلقة بذي المقدمة متعلقة بعينها بالمقدمات فيكون على القول بالوجوب بمنزلة نفس الواجب فلا يصح الاستفسار المذكور كما عرفت نظيره في الإجزاء لأنا نقول لا يخفى على أوائل العقول فساد هذه المقالة إذ كيف يصح تعلق صفة واحدة بأمرين مع اختلافهما في الموصوفية بهما كأن يكون اتصاف أحدهما بها بواسطة اتصاف الآخر بها ولم يكن أحدهما في عرض الآخر نعم يصح ذلك فيما إذا كانت نسبتها إلى أحدهما حقيقة وإلى الآخر نسبة عرضية مجازية وبعبارة أخرى أن وجوب المقدمة موصوف بالغيرية ووجوب ذيها موصوف بالنفسية وهذان الوصفان متضادان ولا يعقل أن يكون وجوب شخصي واحد موصوفا بهما ومن هنا تعرف فساد ما أورده في الأجزاء لأن الإرادة المتعلقة بالجزء من حيث هو جزء لا بد وأن يكون غير الإرادة المتعلقة به من حيث إنه متحد مع الكل فيصح الاستفسار غاية ما في الباب أن الوجوب النفسي ثابت للجزء من حيث كونه في ضمن الكل كما نبهنا عليه فيما تقدم فإن قلت فرق بين اشتراط الشيء بأمر جائز وبين اشتراطه بأمر واجب فإن الأول لا يعقل العقاب فيه أمّا على المشروط فلانتفاء الشرط وأما على الشرط فلكونه جائزا بخلاف الثاني فإن فيه العقاب قطعا قلت ذلك واه جدّا إذ الكلام في صحة العقاب على المشروط والعقاب على ترك واجب وهو الشرط مما لا مدخل في العقاب في واجب آخر وهو المشروط إلا بالقول بأن المقدمة واجبة دون ذيها وفساده غني عن البيان وأما ثانيا فبأنه لو صح ما ذكر في الاستدلال لزم أن لا يقع الكذب في الأخبار المستقبلة والتالي باطل والمقدم مثله بيان الملازمة أنه لو أخبر المخبر بأني غدا أشتري اللحم مثلا فعلى تقدير عدم الاشتراء لا سبيل إلى تكذيبه إذ له أن يقول إن الإخبار بشراء اللحم إما أن يكون على تقدير إيجاد جميع المقدمات أو الأعم من ذلك وعدمها لا سبيل إلى الثاني لأوله إلى الإخبار عن أمر ممتنع ولا إلى الأول لأوله إلى الإخبار بشراء اللحم على تقدير وجود المقدمات والمفروض عدم واحدة منها إذ لا أقل من ذلك وأما بطلان التالي فهو مما لا ينبغي الارتياب فيه ضرورة صحة التكذيب في مثل الأخبار المذكورة وأما ثالثا فبأن الوجه المزبور لو تم لدل على انتفاء الواجب المطلق حيث إن عدم المقدمة لما كان من جملة الأحوال التي امتنع صدور المقدمة على تقديرها لم يصح وجوبه بالنسبة إليه ولا مدخل لوجوب المقدمة في ذلك وأما رابعا فبالحل فنختار من شقي الترديد تارة أوّلهما وهو وجوب الواجب على تقدير وجود المقدمة وعدمها وأخرى ثانيهما وهو الوجوب على تقدير الوجود خاصة وبيان ذلك أن التقديرين المذكورين إن لوحظ بالنسبة إلى الوجوب فنحن نختار الإطلاق فالوجوب غير مشروط بشيء من التقديرين وحاصله أن الفعل واجب بمعنى اتصافه بالمطلوبية وكونه متعلقا للإرادة سواء وجدت المقدمة أو عدمت لأن الكلام في المقدمات الاختيارية التي يمكن أن يكون الوجوب بالنسبة إليها مطلقا ولا يلزم منه ارتفاع العقاب على الواجب المطلق إذ عند عدم المقدمة يستحق العقاب على نفس الفعل كما هو قضية الإطلاق إن لوحظا بالنسبة إلى الواجب فنحن نختار الشق الثاني وهو الوجوب على تقدير وجود المقدمة ولا غائلة فيه إذ مرجع التقدير إلى وجوب الواجب الذي لا يحصل إلا بعد وجود المقدمة وقضية ذلك هو إيجاد المقدمة أيضا تحصيلا للواجب المأمور به إذ على تقدير الإخلال بها يحصل فيه العصيان وبذلك يستحق العقاب قال المحقق الخوانساري بعد ما ذكرنا من النقض بالأخبار المستقبلة والحاصل أن تلك التقادير مما يتوقف عليه وجود تلك الأشياء في الواقع وأما الإخبار عن وجودها أو طلبها فلا يلزم أن يكون مشروطا بها وهو ظاهر فتدبر انتهى السابع ما نقل عن المحقق المذكور أيضا وهو أن حقيقة التكليف عند العدلية هي إرادة الفعل عند الابتلاء بشرط الإعلام فالذي عليه مدار الإطاعة والعصيان هي الإرادة المتعلقة والألفاظ إنما هي أعلام دالة عليها والعلامة قد يكون شيئا آخر من عقل أو نصب قرينة وذهبت الأشاعرة إلى أن التكليف لا يستلزم الإرادة ولا الدلالة عليها بل الطلب الذي هو مدلول صيغة الأمر شيء آخر وراء الإرادة يسمونها كلاما نفسيّا وعند المعتزلة أنه ليس هنا معنى يصلح لأن يكون مدلول صيغة الأمر إلَّا الإرادة وقد طال التشاجر وامتد النزاع بينهما والصواب مختار العدلية وتمام الكلام في ذلك متعلق فن الكلام ولا يسعه المقام وظني أنه يكفيك مئونة التشاجر أن تراجع وجدانك عند حصول الأمر هل تجد في نفسك كيفية أخرى تصلح لأن يكون مدلول الصيغة أم لا فإنك عند التأمل في النفس والكيفيات والهيئات لم تجد شيئا كذلك إلى أن قال فإذا ثبت أن إيجاب الشيء يستلزم إرادته ونحن نعلم قطعا أنه إذا تعلق الإرادة الحتمية بوجود الشيء ونعلم أنه لا طريق إليه إلا بإيجاد شيء معين لا يمكن أن يحصل إلَّا به لتعلق الإرادة الحتمية بإيجاد ذلك الشيء البتة وهذا بديهي بعد ملاحظة الطرفين وتجريدها عن العوارض وإن حصل التوقف في بادي النظر وإذا ثبت أن إيجاب الشيء يستلزم الإرادة المتعلقة بمقدماته فيكون المقدمة واجبة إذ ليس الوجوب عند الأصحاب إلا هذا انتهى والإنصاف أن ما ذكره في هذه الحجة من إحالة الأمر إلى الوجدان الصحيح كلام يلوح منه أثر