الشيخ الأنصاري

77

مطارح الأنظار

وجود المقدمة وعند وجودها يمتنع انتفاؤها وأمّا ثانيا فلأن القول بوجوب المقدمة الموصلة يرجع إلى القول بوجوب مطلق المقدمة في لحاظ الواقع وبيانه يحتاج إلى تمهيد وهو أن يقال إذا كان المأمور به مقيدا لشيء فهناك صورتان الأولى أن لا يكون القيد مغايرا في الوجود للمقيد كما في الفصول اللاحقة للأجناس فإنها لا تغايرها في الوجود الخارجي وإنما يمتاز أحدهما عن الآخر بتعمل من العقل بانتزاع مفهوم مشترك من الحقيقة النوعية وما تتميز تلك الماهية وهو ظاهر الثانية أن يكون القيد مغايرا في الوجود كما إذا أمر المولى بإتيان زيد فجاء مع عمرو ونحو ذلك من الأمور التي يعتبر لحوقها بالمقيد مع جواز انفكاكها عنه وجود إلا إشكال في أن الواجب على الأولى أمر واحد لا يتصور انفكاك المقيد فيه عن المقيد ولو حاول المكلف الامتثال به لا وجه للقول بأنه يجب إيجاد المطلق مقدمة ثم إلحاق القيد به إذ المفروض وحدة الوجود فيهما ولا يعقل التفكيك بين أمرين متحدين في الوجود بالسبق واللحوق كما أنه لا ينبغي التأمل في أن الواجب على الثانية إيجاد ما يتصف بالقيد ثم إيجاد القيد ليتصف به المقيد لأن المفروض تغايرهما في الوجود ومن أراد إيجاد المقيد على أنه مقيد لا مناص له من ذلك لا يقال إن المطلوب في المقامين أمر وحداني حاصل من اعتبار انضمام القيد إلى المقيد ولا يفرق في ذلك كون القيد خارجيا أو ذهنيا لأنا نقول وحدة المطلوب على تقدير التسليم مما لا ينافي ما نحن نصدده من لزوم إيجاد المطلق عند التغاير أولا ثم اتباعه بإيجاد القيد الموجب لحصول المطلوب ولعل ذلك في الظهور كالنار على رأس المنار وبعد التمهيد نقول إن التقييد في المقدمة الموصلة ليس من قبيل التقييد في الصورة الأولى لأن ما يصير منشأ لانتزاع صفة الإيصال من المقدمة أمر مغاير لها في الوجود إذ هي لا تكون موصلة إلَّا بعد ترتب فعل الغير عليها ولا خفاء في أن هذه الحالة توجب انتزاع تلك الصفة منها فيكون من قبيل التقييد في الصورة الثانية وقد قررنا في التمهيد وجوب إيجاد المطلق عند إرادة إيجاد المقيد فيما إذا كان القيد مغايرا له في الوجود العيني فالقول بوجوب المقدمة الموصلة يوجب القول بوجوب المقدمة مطلقا مقدمة لما هو الواجب من المقدمة الموصلة هذا خلف وبوجه آخر نقول إن صفة الإيصال إما أن تكون معتبرة في المقدمة أو لا لا إشكال على الثاني على ما ذهب إليه المشهور وعلى الأول فإما أن يكون ما يوجب انتزاع تلك الصفة منها داخلة في مقدرتنا واختيارنا أولا لا كلام أيضا على الثاني إذ الأمر الغير الاختياري لا يعقل تعلق الطلب والتكليف به فعلى تقديره يجب وجوب مطلق المقدمة وعلى الأول فيجب إيجاد تلك الصفة كما يجب إيجاد الموصوف ليصح الاتصاف إذ لا منافاة بين وجوب فعل اختياري ووجوب فعل آخر ويلزم من ذلك وجوب مطلق المقدمة مقدمة لما هو المطلوب من المقيد هذا خلف فإن قلت إن الواجب من الإتيان بالمطلق فيما إذا وقع على صفة الإيصال أيضا فلا يلزم الخلف قلت ذلك وهم فاسد إذ الكلام في الإتيان بالأفعال التي يتعلق بها الطلب والتكليف وإيجادها في الخارج ولا يعقل ذلك إلا بإيجاد مطلق المقدمة ثم اتباعه بما يوجب انتزاع تلك الصفة منها كما يلاحظ بقياسه إلى الأجزاء في واجب مركب والعجب أن القائل المذكور أنما تفطن بذلك في نظير المقام حيث إن بعض الأفاضل تصدى لدفع الإشكال الوارد في مسألة الضد بأن النهي التبعي لا ينافي الأمر النفسي فأورد عليه بعدم الفرق في المنافاة بين الأمر والنهي من جهة اختلاف أقسام الأمر والنهي لرجوعه إلى اختلاف جهتي الأمر والنهي ولا مدخل للمأمور به والمنهي عنه في ذلك إلى أن أورد على نفسه سؤالا حاصله اختلاف متعلق الأمر والنهي لأن المطلوب بالأمر نفس الفعل والمطلوب بالنهي التوصل بالترك إلى الواجب فأجاب عن ذلك بأن مطلوبية التوصل يوجب مطلوبية نفس المقدمة لأنها مقدمة له قال ولا سبيل إلى أن يجعل المطلوب حينئذ التوصل إلى التوصل دون نفس المقدمة للزوم التسلسل ومع ذلك لا يجدي لأن التوصلات الغير المتناهية إذا أخذت بأسرها كانت مستندة إلى نفس المقدمة فيلزم مطلوبيتها لها انتهى وهو جيد لرجوعه إلى ما ذكرنا من أن إيجاد المقيد يحتاج إلى إيجاد المطلق مقدمة ثم إنه لا فرق فيما ذكرنا بين أن يلاحظ الإيصال في المقدمة الموصلة في مفروض السؤال بالنسبة إلى الواجب وبين أن يلاحظ بالنسبة إلى المقدمة الموصلة لأن الإيصال إلى الإيصال أنما يلاحظ بالنسبة إلى ذات الواجب كما لا يخفى وأما ثالثا فلقضاء صريح الوجدان والعرف بخلافه ضرورة سقوط الطلب المتعلق بالمقدمة بعد وجودها من غير انتظار حالة هي ترتب ذيها عليها فإن من راجع وجدانه وأنصف من نفسه يحكم حكما ضروريا لا يدخله شبهة ولا يمازجه ريبة بالفرق في الحالة الطلبية النفسانية بين المقدمات المأتي بها وبين غيرها من المقدمات المعدومة لسقوط الطلب المتعلق بالأولى وبقائه في الثانية ولولا أن لوجودها في حيال ذاتها مع قطع النظر عن ترتب الغير عليها مدخلا في المطلوبية لم يعقل الفرق بينها وبين غيرها في السقوط والبقاء وذلك مشاهد عند المجانب عن الاعتساف المتصف بأحسن الأوصاف فإن قلت إن ذلك يتم على تقدير أن يكون المقدمات مطلوبات غيرية في حيال ذواتها وحدود أنفسها فإنه يمكن القول بوجود الواجب الغيري على ذلك التقدير بدون وجود الواجب النفسي في الخارج وأما بناء على أن الطلب المتعلق بالمقدمات ليس طلبا برأسه بل الموجود منه هو طلب واحد فإن قيس إلى نفس الواجب يكون طلبا نفسيّا وإن قيس إلى ما يتوقف عليه وجود الواجب من المقدمات يكون طلبا غيريا فلا يتجه ذلك ضرورة أن المطلوب حينئذ ليس ذات المقدمة بل المطلوب هو