ابن تيمية
63
المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
والقياس : لو كانت المسابقة من الطرفين قمارًا محرمًا فإنهم رأوا أن هذه ليست جعالة يقصد الجاعل فيها بدل الجعل في عمل ينتفع به ؛ إنما قصد أن يغلب صاحبه فحرموها ، وقالوا : دخول المحلل فيها يزيدها شرًا ، وأن المقامرة حرمت لما فيها من أكل المال بالباطل ، والمحلل يزيدها شرًا ؛ فإن المتسابقين إذا غلب أحدهما صاحبه فأخذ ماله كان هذا في مقابلة أن الآخر إذا غلبه أخذ ماله . فكان مبناها على العدل ؛ بخلاف المحلل فإنه ظلم محض ؛ فإنه بعرضة أن يغنم أو يسلم ، والآخران قد يغرمان فلا يستوون في المغنم والمغرم والسلامة ؛ بخلاف إذا لم يكن بينهما محلل فكلاهما قد يغنم وقد يغرم وقد يسلم فيما إذا تساويا وجاءا معًا . فهذا أقرب إلى العدل ؛ فإذا حرم الأقرب إلى العدل فلأن يحرم الأبعد عنه بطريق الأولى . وأيضًا فإذا قيل : هذا محرم لما فيه من المخاطرة وأكل المال بالباطل كان بالمحلل أشد تحريمًا ؛ لأنها أشد مخاطرة وأشد أكلاً للمال بالباطل ؛ لأنها عند عدمه إنما أن يغنم أو يغرم أحدهما ، وهنا المخاطرة باقية كل منهما قد يغنم أو قد يغرم ، وانضم إلى ذلك مخاطرة ثالثة وهي أنه هناك يغرم إذا غلبه صاحبه ، وهنا يغرم إذا غلبه ، وإذا غلبه المحلل فكان المحلل زيادة في المخاطرة . وأيضًا : فإن كلا يحتمل أن يغلب ويغنم أو يغرم . وأما المحلل فلا يحتمل أن يغلب أو يغرم ؛ بل هو يغنم لا محالة أو يسلم . فمن تدبر هذه الأمور علم أن الشريعة منزهة عن مثل هذا أن تحرم الشر لمجرد مفسدة قليلة وتبيحها بالمفسدة عينها إذا كثرت ، ولكن أصحاب الحيل كثيرًا ما يقعون في هذا فيحرمون على الرجل بعض أنواع الزيادة دفعًا لأكل المال بالباطل لئلا يتضرر ، ويفتحون له حيلة يؤكل فيها ماله بالباطل أكثر ، ويكون فيها ظلمه وضرره أعظم .