ابن تيمية

64

المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية

ومن العلماء من أباح السبق بالمحلل ، كقول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإحدى الروايتين عن مالك . وهذا مبني على أصلين . أحدهما : أن هذه جعالة . والثاني : أن القمار هو المخاطرة الدائرة بين أن يغنم باذل المال أو يغرم أو يسلم ، وهذا المعنى ينتفي بالمحلل ، فإنه حينئذ يدور على أمرين : أن يغنم ، أو يغرم ، أو يسلم . وقد تقدم التنبيه على بعض ما في كل من الأصلين . والمقصود الأعظم بيان فساد ظن الظان أنه بدون المحلل قمار وبالمحلل يزول القمار . فيقال : أولاً : إن الدليل الشرعي قد دل على أن القمار هو هذا دون هذا . ويقال ثانيًا : المتسابقان كل منهما متردد بين أن يغنم أو يغرم أو يسلم ؛ فإنهما لو جاءا معًا لم يأخذ أحدهما سبق الآخر . فقولهم : إن القمار هو المتردد بين أن يغنم أو يغرم فقط ليس بمستقيم ؛ بل عندهم وإن تردد بين أن يغنم أو يغرم أو يسلم فهو أيضًا قمار وهذا موجود مع المحلل ؛ فإن كلاً منهما يتردد بين أن يغنم إن غلب وبين أن يغرم إن غلب ، وبين أن يسلم إن جاءا معًا ، أو جاء هو ورفيقه معًا ، فالمخاطرة فيها موجودة مع المحلل ؛ وبدون المحلل ، بل زادت بدخوله فتبين أن المعنى لم يزل بدخول المحلل . بل ازداد مفسدة ؛ فإنه على بر السلامة ولا عدل فيه ؛ بخلاف ما لو كانوا بلا محلل . فكان كل منهما مساويًا للآخر في الاحتمال ، وهذا عدل ، وهو على الميزان بينهما ؛ بل الذي بذلك الجعل ليجعل الرغبة فيما يحبه لا ينظر في مصلحته ، بل معرضًا للخسارة ، ويجعل الدخيل الذي جاء تابعًا للغرض لا يخسر شيئًا من ماله ، والذي يتقرب إلى الله بما يحبه يخسر ، والذي لم يقصد لم يعط